على أنهم كانوا مثل كل شعب مغلوب على أمره وله تاريخ قديم، يذكرون استقلالهم الذي تغلغل في طيات الزمان ويحنون إليه وهم في زوايا بيوتهم، ويشكون بصوت خافت من حكامهم. ولبثوا على تلك الحال من الجبن والمسكنة حتى سنحت الفرصة لانفجار حقدهم الكامن قبيْل معاهدة برلين، وكانت عوامل إيقاظهم ثلاثة؛ أولها: أن ولاة أمورهم غلوا أشد غلو في الضغط عليهم فكانت نتيجة هذا الضغط انفجار ذاك الحقد، والثاني: أن روسيا العدوة القديمة لتركيا كانت تحضهم وتَعِدْهُم بالعون والمدد، والثالث: أن تحريرهم من قيد الكنيسة اليونانية أنشأ فيهم روح الاستقلال.
بقيت تلك العوامل الثلاثة تعدَّ نفوسهم للثورة وتزيد حقدهم المتأجج حتى هبُّوا ينفضون عنهم غبار الذل العتيق، ولما ثارت البوسنة والهرسك سنة 1875 رأى ذوو الإقدام منهم أن الفرصة كانت موافقة للثورة وشفاء النفوس من الضغينة.
على أنهم لم يكتفوا بالخروج على الحكومة بل ارتكبوا جناية ذبح المسلمين في بعض القرى، ولم تكن ثورتهم وقتئذ عامة؛ لأن قسمًا كبيرًا منهم كان لا يزال خائفًا من سادته الأتراك، وما ترامى خبر فتنتهم إلى الباب العالي حتى عقد العزيمة على تأديبهم وكان التأديب واجبًا، إلا أنه أخطأ الطريقة المُثلى فأطلق عليهم ألوفًا من الجنود غير المنظمة، بدلًا من أن يُسيِّر إليهم جنودًا نظامية تحت إمرة قائد عاقل يضع اللين في محله والشدة في موضعها، وروى قنصلا فرنسا وإنكلترا في تقاريرهما الرسمية: «إن عدد الذين ذبحتهم تلك الجنود من رجال ونساء وأطفال يبلغ ما بين 15 و 20 ألف نفس.»
فكان لذاك الحادث صدى عظيم في أوروبا، وهبَّ غلادستون فألقى خُطَبه الشهيرة عن تركيا والأتراك، وأنسى الأوروبيين أن البلغاريين فتكوا هم أيضًا بالمسلمين الآمنين، ولا غرو فإن الحادث الأكبر يُنسي الحادث الأصغر، وهناك سبب آخر وهو أن شعور كل فئة بنكبات أهل دينها أشد من شعورها بإرزاء الآخرين، وهذا طبيعي تجده عند جميع الأمم والملل، ولا يتغير ما دام الإنسان إنسانًا، وقليلٌ هم لسوء طالع الإنسانية أولئك الذين يضعون الحق فوق كل شيءٍ.
على أن هذا كله بعض ما جرى بين العدوين، وهو يكفي للدلالة على أن الجيش البلغاري لم يزحف وحده من صوفيا بل زحف هو وحقد خمسمائة سنة ... !
وليس حقد الصربيين وأهل الجبل الأسود على الأتراك بأخف من حقد اليونانيين والبلغاريين، فإنهم مثل حلفائهم يُربون في أبنائهم محبة الثأر من تركيا، ولا ينسون انتصار الأتراك عليهم وفتكهم الذريع بهم، ذكر الموسيو «ألبير مالي» الأستاذ الكبير في التاريخ السياسي: أن المؤرخ الصربي «ليوبا كوفاتشفيتش» وقف يرثي ابنه الذي قتل في إحدى معارك الحرب البلقانية فقال: «يا بُنيَّ نم بسلام فقد أوفيت دينك للوطن، وقل لدوشان ولازار بل قل لجميع شهداء قوصوه إن أمتهم ثأرت لقوصوه ... » ولقد دلت الحرب على أن الثأر الذي أشار إليه هذا المؤرخ الصربي هو أمنية كل فرد من أمته، وأن الحقد على الأتراك شامل لطبقاتها، قال أيضًا الموسيو «ألبير مالي» : إن معارك قوصوه (التي حدثت من نحو 500 سنة) ما زالت تذكر عندهم كما تذكر حوادث حرب السبعين عند الفرنسويين، وما برحوا يرددون تذكار القيصر دوشان والقيصر لازار حتى الآن.
ثم روى الأستاذ نفسه دليلًا على احتفاظ الصربيين بما يضرم الضغينة في قلوبهم على الأتراك قال: إن ألفًا من الصربيين كانوا سنة 1809 محصورين في أحد المعاقل على مقربة من مدينة نيش، فرأوا أن الأتراك أوشكوا أن يستولوا على موقعهم عنوةً، فاختاروا أن ينسفوا معقلهم بما كان عندهم من البارود على أن يقعوا أحياءً في أيدي أعدائهم، ثم جاء الأتراك بعد نسفه وفصلوا رءوسهم عن الجثث وجعلوا منها شبه برج. ولما دخل الصربيون مدينة نيش سنة 1878 كان ذاك البرج محفوظًا على شكله فرفعوا الجماجم ودفنوها في مقبرة وأبقوا البرج ليراه الأبناء والأحفاد ولقبوه ببرج الجماجم، وأصبح أمره موضوع قصص العجائز والوالدات في البيوت والأساتذة في المدارس.
وليس من غرض هذا الكتاب أن نفيض في شرح الوقائع التاريخية التي أشعلت نار ذاك الحقد، فإنَّا نختم الكلام عن هذا السبب الأول من أسباب الحرب بما تضمنه قانون أصدرته حكومة الجبل الأسود سنة 1484 ليكون دليلًا آخر على الحقد القديم في صدور أهل ذاك الجبل أيضًا وهو: «إذا نشبت الحرب بيننا وبين الأتراك فلا يجوز لأحد من أهل الجبل أن يترك ساحة القتال إلا بأمر رئيسه، وكل من يفر أمام الترك يفقد شرفه إلى الأبد، ويصبح محتقرًا منبوذًا من آله، ثم يلبس ثوب امرأة ويُعطى مغزلًا ليشتغل به مع النساء، وتعمد النسوة أنفسهن إلى طرده كما يُطرد الجبان الذي يخون وطنه.» 1 وهنا ندع القارئ يفكر في الحالة النفسية التي كان فيها أعداء تركيا يوم ساروا إلى الحرب وهم يأملون النصر.