أما المملكة ونعني الولايات الباقية منها في آسيا، فليس فقرها أصليًّا فيها وكل ولاية منها كانت في بعض الأزمان مملكة قائمة بنفسها، فالعراق كانت وحدها مملكة البابليين والآشوريين، وبها اعتز العباسيون في إبَّان دولتهم، وكانت جبايتها ثلث جباية مملكتهم الواسعة الممتدة من حدود الهند إلى شواطئ الأتلانتيكي، وسوريا كانت مؤلفة من عدة دول ثم اعتز بها السلوقيون أجيالًا وكذلك آسيا الصغرى، وظلت مدةً هي أعظم أركان الدولة العثمانية.
فهذه الولايات إذا أُحسنت سياستها وإدارتها صارت غنية، وهذا لا يتم والأمة كما تقدم، فالوسيلة المُثلى للنهوض بالدولة العثمانية إنما هي ترقية الشعب وهو لا يقدر أن يرقي نفسه رغم استعداده الطبيعي للرُّقي، وقد يقوم بذلك حاكم عادل عاقل إنما يشترط أن يكون مستبدًّا وهذا لا يتيسر والحكومة دستورية.
فلا بد من الاستعانة بالأجانب وأسلم الطرق أن تتحالف الدولة العثمانية مع دولة تثق بصداقتها، فتستعين برجالها على إصلاح حكومتها وترقية شعبها وصيانتها من مطامع الدول الأخرى، بشرط أن لا يكون لهذه الدولة مطمع في الاستعمار، فإذا وُفِّقَت إلى ذلك في أثناء أربعين سنة نهضت واسترجعت رونقها.
أخي؛ سألتني عما أرتئيه لإصلاح الدولة العلية، فالذي أرتئيه إنما هو أمر واحد يُلخص في كلمة واحدة: التعليم.
منذ عشرين سنة أرقب حوادث الدولة وأستقري ما يجري فيها، فالذي بدا لي من شأنها في كل حال: أن الحكام كانوا لا يهتمون بإصلاحها اعتمادًا منهم على جهل الأمة، وعلى تسليمها لهم بسبب ذلك الجهل، وأن المحكومين كانوا فاقدي الحيلة في التماس ما هو خير لهم وكانوا صابرين على مضض، وربما أومض لهم بارق الإصلاح في إحدى المصادفات فتألموا منه تألمهم من الرمد المفاجئ.
فهؤلاء المحكومون ما لم يتعلموا لا يقيمون لأنفسهم وزنًا ولا يفرقون بين حق لهم وحق عليهم، كما أن أولئك الحكام أيًّا كان جنسهم ودينهم يلبثون أبد الدهر متنكرين لأمتهم جانين عليها، إلا حيث تضطرهم إلى الإصلاح اضطرارًا وتأخذ منهم قسرًا ما يأبونه عليها اختيارًا.
وكل ذلك لا يتم شيء منه إلا بالتعليم.
حياة الدولة في مستقبلها، ومستقبلها في حكومة كفيلة باسترجاع مجدها المُضَيَّع، وهذه الحكومة لا توجد إلا متى عرف رجالها قدر أنفسهم، فوضعوها فوق عبث الأحزاب.
لما كانت الدولة العثمانية فيما مضى دولة استبدادية قائمة على حكومة الفرد كانت تقوى بقوة ذلك الفرد وتضعف بضعفه وتسعد بسعده وتشقى بشقائه، أما الآن وقد أعلن فيها الحكم الدستوري مراعاة لأحوال الزمان والمكان وتبدَّلت حكومة الفرد بحكومة الأمة، فصلاح الحكومة قائم بصلاح الأمة. ولا يكون ذلك في رأيي إلا بنشر التعليم الحر بين طبقاتها والفصل بين دنياها ودينها، والتأليف بين عناصرها وطوائفها حتى تصبح جميعها كتلة واحدة يحركها من أعلاها إلى أسفلها عامل واحد هو عامل الوطنية، وتجمعها من أقصاها إلى أدناها جامعة واحدة هي الجامعة العثمانية.
إن سُنَّة التطور evolution التي تحكم العالم المادي والعالم الاجتماعي أمر لا مفر منه، فما السبيل إلى جعل التطور في السلطنة لها لا عليها؟ لا أظن أن صديقي المؤلف يكلفني الجواب على هذا السؤال في بضعة أسطر، على أن كل ما يقوله الكاتب ويفكر فيه المفكر في هذا الشأن أمرٌ معلومٌ، فما تنقصنا الأقوال ولكن تنقصنا الأفعال، فقد يقال: «العدل والسواء وتوسيع سلطة الولايات وقطع دابر الرشوة بحسن اختيار الموظفين وشدة مراقبتهم وإصلاح المحاكم وتنظيم البوليس وتقويته، وإنشاء الطرق الحديدية واستثمار الأرض ظهرها وبطنها (الزراعة والمعادن) ، وإحياء الصناعة والتجارة والمستشارون الأجانب وتنظيف الدوائر العليا والدنيا ... إلخ إلخ» وكلها أشياء جميلة، ولكني أرى أمرًا آخر مقدمًا عليها وإن وجد المال وقوة الإرادة لإنفاذها، وهو ما أسميه «الانسلاخ» أعني به انسلاخ الرجل الشرقي القديم - وكلنا ذلك الرجل - من جلده القديم وروحه القديمة واتخاذه جلدًا جديدًا وروحًا جديدة، ومعنى هذا بكلام مجرد من الزخرف والخيال تغيير السياسة التي حكمت بها السلطنة وجعلها بوزيتيفيست positiviste وهنا المشكلة العظمى، فإنه يجب بناء أعمال الحكومة على هذه السياسة من غير أن يصدم هذا البناء معتقدات العناصر المختلفة وأوهامها؛ أي سوق التطور في طريق هذه السياسة من غير أن يؤدي