فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 121

نشرته إدارة المطبوعات الصربية في هذا الشأن: تشتمل أوراق الآلاي البلغاري الخامس والثلاثين التي أخذتها الجنود الصربية على الصورة الأصلية للأمر الصادر من القائد البلغاري إلى الآلاي الثاني من الفرقة الرابعة، وهي تدل دلالة واضحة على أن البلغاريين عقدوا العزم على مفاجأة الجيش الصربي بجيشهم الرابع كله وهو مؤلف من مائة طابور ومائتي مدفع تحت إمرة الجنرال كوفاتشيف وزير الحربية والقائد العام، ونحن نستخلص من ذاك الأمر العبارات الآتية بنصها: أولًا: غدًا تبتدئ الأعمال الحربية بيننا وبين الصربيين من جهة وبيننا وبين اليونانيين من جهة أخرى ويمتد خط الصربيين أمام آلايكم على طول نهر زلتوفو.

ثانيًا: يُبدأ بالهجوم على الأعداء غدًا الساعة الثالثة بعد نصف الليل.

ثالثًا: يجب على قسمي الآلاي أن يحضرا الساعة الثالثة بعد نصف الليل إلى جهة نهر زلتوفو بغير أن يُحدثا أقل ضجة وأن يهجما بغتةً على مقدمات الأعداء ويصلا إلى المواقع التي تُعين لهما.

فإذا فكر المرء في الوقت اللازم لوضع خطة هجومية كهذه، ولكتابة الأوامر وإصدارها إلى كبار الضباط، لا يبقى عنده ريب في أن البلغاريين كانوا يضمرون الشر للصربيين واليونانيين وأنهم أخذوا يستعدون من قبلُ، وروت إحدى الجرائد أن الحكومة الصربية صورت بالفوتوغراف شكل ذاك الأمر حتى لا تُبقي مجالًا لتنصُّل البلغاريين من ذنب الاعتداء على الحلفاء.

بدأ البلغاريون باعتدائهم على الجنود اليونانية يوم اعتدائهم على الصربيين، فلما أيقن الملك قسطنطين والموسيو فنزيلوس كبير وزرائه أن الحرب واقعة لا مناص منها اتفقا على إصدار الأمر بالزحف ثم أمر الملك بنزع السلاح من 1200 جندي بلغاري كانوا في مدينة سلانيك، فسلموا بعد قتال بضع ساعات، وكانت الحرب لم تُعلن رسميًّا حتى ذاك اليوم بين اليونان والبلغار، فاعترضت الحكومة البلغارية على إيقاع الجيش اليوناني في سلانيك بتلك الحامية الصغيرة، والصحيح أن الحرب كانت ناشبةً فعلًا لما سبق من اعتداء البلغاريين على الشقة الحرام.

وما كان اليوم التاسع والعشرون من شهر يونيو حتى هب البلغار إلى الهجوم الشديد من جهة اليونان بينما كانوا يهاجمون الصرب، على أنهم ما لبثوا أن تقهقروا أمام الجيش اليوناني الذي زحف بقيادة الملك قسطنطين كما تقهقروا أمام الصربيين للأسباب التي سنشرحها في الفصل التالي. وأول معركة كبيرة طاحنة حدثت بين الجيشين هي معركة قلقيش (أو كيلكيس) فإن مشاة اليونان حملوا حملات هائلة ومعهم جيش آخر من الحقد على البلغاريين، وكانت هجمتهم 2 على مسافة 800 متر تحت نيران البلغاريين الذين كانوا محصنين ممتنعين حتى زحزحوهم عن مواقعهم وأعملوا الحراب في ظهورهم، وقد بلغت خسارة اليونان في تلك المعركة على روايتهم الرسمية نحو عشرة آلاف رجل؛ أي نحو الخسارة التي أصابتهم في مقاتلة العثمانيين في جميع المعارك منذ 18 أكتوبر سنة 1912 إلى أن عُقد مؤتمر لندن الثاني. وبعد هذا النصر المبين صرف الملك قسطنطين همه إلى مطاردة البلغاريين حتى لا يُبقي لهم وقتًا طويلًا لاستئناف معركة كبيرة أخرى، وحتى يتمكن من وصل جيشه بالجيش الصربي قبل دخول الأرض البلغارية الأصلية، ولم يكن أمامه إلا طريق واحد صالح وهو وادي ستروما من دمير حصار إلى جمعه، فأخذ يتقدم والبلغاريون يتقهقرون أمامه وينسفون الجسور بعد أن يجتازوها فتجددها فرق الهندسة اليونانية بعد المتاعب العظيمة.

ولما وصلت الجنود اليونانية إلى مضيق قرسنا تفاقمت عليها المصاعب واضطر المشاة إلى الصعود على قمم الجبال التي على جانبي المضيق ليضطروا البلغاريين إلى تركها. فأفلحوا بعد احتمال العناء الكبير من وعورة الطريق ونيران البلغار. وليس يهم القارئ أن نصف كل معركة ومناوشة، فحسبنا أن نقول له على وجه الجملة إن اليونانيين قاتلوا أعداءهم أكثر من عشرين دفعة في مدة زحفهم من سلانيك إلى جمعه بالا وهناك نشبت معركة عظيمة خسر فيها الفريقان خسارة كبيرة، وقرر الملحقون العسكريون أن أحد جناحي الجيش اليوناني أصيب فيها بالفشل وأن الهدنة التي طلبتها حينئذ رومانيا جاءته في وقتها، وقال الموسيو رينيه بيو بعد عقد الصلح في بوخارست: «يمكننا اليوم أن نذكر أمرًا لم يكن في وسعنا أن نبوح به في وقته؛ وهو أن الملك قسطنطين لم يكن تحت إمرته إلا خمسة وثمانون ألف رجل من المشاة، وكانت مهمته صعبة محفوفة بالخطر؛ لأنه كان يريد أن يمنع عدوه من ضم أطرافه وجمع قواه وأن يضربه ويقهره قبل أن يستريح فاضطر للوصول إلى هذا الغرض أن يطلب من جنوده أكبر جهد ينهك القوى. وكان معظم فرقه بلا احتياطي يؤيده عند الضرورة، ولشدة تعب الجيش اليوناني عزم أركان حربه على الوقوف مدة من الزمن لتتمكن البطاريات من ضم أطرافها ويذوق المشاة راحة لم يكن بدٌّ منها ولا غنى عنها؛ فجاءتهم الهدنة بها. وأجمعت الروايات اليونانية نفسها على أن خسارة اليونان كلها بلغت أكثر من أربعين ألف رجل بين قتيل وجريح، وأن أقل من ربع تلك الخسارة الكبرى لحقت بالجيش اليوناني في الحرب الأولى وثلاثة الأرباع الباقية في محاربتهم للبلغاريين.»

وأجمع المراسلون الحربيون على أن اندفاع اليونان وتفانيهم في قتال البلغار كان من جملة الأسباب الكبرى في زيادة خسائرهم إلى ذاك الحد؛ فهم من قديم الزمان يكرهون البلغاري وكثيرون منهم يفضلون التركي عليه، ثم اشتد عندهم هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت