طلبت الجمعية من الحكومة أن تصرف كل جهدها إلى حفظ سلامة الدولة في المستقبل، وأن تهتم بترقيتها من الوجهة الاقتصادية.
وإذا رجع القارئ معنا إلى سنة 1877؛ أي سنة إعلان الحرب بين الدولة العلية وروسيا، وجد أن عقد جمعية وطنية من أقطاب الدولة ليس بجديد ولا وحيد في تاريخ السلطنة العثمانية، فإن كامل باشا تذكر ولا ريب ما فعله المرحوم مدحت باشا قبل إعلان الحرب الروسية العثمانية في تلك السنة فرآه من الصواب بمكان، يخفف عنه أعباء المسئولية ويكون وسيلة لبسط آراء ناضجة من رجال عرَّكهم الدهر وذاقوا منه الحلو والمرَّ.
أما خلاصة ما جرى في عهد مدحت باشا، فهي أنه لما قامت الحرب بين تركيا من جهة والجبل الأسود من جهة أخرى، عُقد مؤتمر دولي للنظر في الحالة، فعرض مندوبو الدول مقترحات إصلاحية وطلبوا تحقيقها، فأبى المندوبون العثمانيون أن يقبلوها، وقالوا لمندوبي الدول العظمى: «إن الحكومة السلطانية قررت أن تنشئ دستورًا، والدستور من شأنه أن يعود بالنتائج التي تتفق مع رغائب الدول.»
وفي أثناء اجتماع ذاك المؤتمر اقترح مدحت باشا أبو الدستور العثماني (وكان وقتئذ صدرًا أعظم) على السلطان عبد الحميد أن يعقد جمعية من صدور الدولة وعيون الأمة، ليشاورهم في الأمر ويطلعهم على مذكرة بعثت بها الدول إلى الباب العالي، وصرحت فيها بأن وعدها بالدستور لا يكفي وطلبت إصلاحات فعلية، لكن الجمعية أبت أن تقبل هذا الطلب، فأدى رفضها إلى إعلان الحرب بين روسيا والدولة العلية في أبريل سنة 1877، وكان من نتائجها فشل الجيش العثماني؛ لأن يلدز كانت تدير حركاته ولا تدع الحرية الواجبة لقواده، ولأن الخلل كان ملازمًا للإدارة كلها لسوء الطالع، فجرى ما جرى من وصول الجيش الروسي إلى سان استفانو، وعقد روسيا للمعاهدة الشديدة التي عدلها مؤتمر برلين في السنة التالية. ومن تلك النتائج أيضًا قتل الدستور العثماني، وقتل أبي الدستور مدحت باشا.
رأى المُطالع فيما تقدم أن شوكت باشا وغيره من كبار الاتحاديين لم يحضروا الجمعية الوطنية؛ لأنهم كانوا ينوون الإيقاع بوزارة كامل باشا حين تعلم الأمة أنها قررت التنازل عن أدرنه، ولقد وقع أن تلك الوزارة قررت فعلًا أن تترك أدرنه بشرط أن تبقى لها صفتها الإسلامية وتنال شبه استقلال إداري.
وبينما كان مجلس وكلاء الدولة مهتمًّا في 23 يناير بدرس الجواب العثماني على مذكرة الدول التي تقدم ذكرها، هجم جماعة من الاتحاديين على الباب العالي، فحاول أحد الضباط منعهم فقتلوه. ولما سمع ناظم باشا وزير الحربية والقائد العام دوي العيار الناري خرج وانتهرهم فقتلوه أيضًا، وهنا نترك الكلام لكامل باشا نفسه قال:1 فاضطر حينئذ بقية الوكلاء إلى دخول غرفة أخرى لينتظروا ما يكون، أما أنا فقد لبثت في غرفة الصدارة ومعي باشكاتب المابين الذي حمل إليَّ بعض إرادات سنية، وعلمت أن الثائرين ملئوا الباب العالي وأنهم قتلوا أيضًا ستة من الياورية والحجاب الذين كانوا يحافظون على الوكلاء، وأن اثنين من الثائرين أنفسهم قُتلا. ثم دخل عليَّ جماعة من الضباط لا أعرفهم، ومعهم أشخاص بملابس ملكية فاقترب مني ضابط جسور وقال: «إن الخواطر هائجة هياجًا عظيمًا خارج الباب العالي، وأنه يجدر بي أن أكتب استقالتي» ، فخطر لي أني إذا ترددت في أمر الاستقالة تجاسر هؤلاء على الإيقاع بي ليتسنى لهم احتلال مقام الصدارة، فكتبت عريضة ورفعتها إلى جلالة السلطان ملتمسًا منه إقالتي من منصب الصدارة. ولم تمضِ ساعة حتى جاءني رئيس قرناء الحضرة السلطانية وأبلغني كدر جلالته من الحادثة، ورجا مني أن لا أترك منصبي قبل ظهور النتيجة، فامتثلت.