على أن الله أراد أن يحفظ أساس السمعة الطيبة للجندي العثماني، فجعل يُظهر بين تلك المشاهد الأليمة العظيمة مشاهد تعزي الأمة العثمانية بعض التعزية في إبان خطبها الجلل، فمنها أن البطل حلمي بك الذي كان يقود فرقة من الميمنة جاهد جهادًا عجبًا، وكان كلما رأى أحد الجنود يريد اللحاق بالهاربين يرميه بالرصاص، حتى تمكن من إيقاف الميسرة البلغارية التي كانت تجهل ما حدث ليلًا.
ولما رأى حلمي بك أن البلغاريين كادوا يحيطون بجناحي فرقته، ترك موقعه نحو الظهر، فبطلت كل مقاومة أمام البلغاريين هناك وغنموا ما بقي وما تركته الجنود على الطريق من المدافع والذخائر وغيرها.
وليس من العدل أن نغفل هنا ما رآه الموسيو ريني بيو، وهو أن فريقًا من الجنود العثمانية أبى عليه شرفه العسكري أن يترك مدافعه وذخائره في تلك الساعة الهائلة، ولكن الطرق التي كانت على أسوأ حال، أبطلت ذاك الجهد الشريف.
وقع هذا الخطب لشؤم طالع الأمة العثمانية، والبلغاريون يعتقدون أن الجنود العثمانية رجعت إلى مواقعها وستدافع أشد دفاع، وما علموا إلا في اليوم التالي ما جرى لحامية قرق كليسا؛ لذلك لم يتمكنوا من مطاردتها ساعة الهلع، بل اكتفوا رغم إرادتهم بالمؤن والذخائر، وبالأزهار التي قدمتها لهم بعض النساء البلغاريات ...
أما سبب هذا الفشل العاجل في موقع أُعد للمقاومة الشديدة، فقد كثرت فيه أقوال الناقدين الحربيين، فقال الموسيو وجنر: إن هجوم العثمانيين أولًا لم يكن من الصواب وإن كان المقصود منه استطلاع طلع العدو وإجباره على إظهار قوته؛ لأن مثل هذا الاستطلاع يضطر القوة المستطلعة إلى خوض معركة كبيرة فتعود إلى موقعها بخبر الفشل بدلًا من خبر العدو. وقال هوشوختر: «إن سوء حالة الجنود من حيث المطعم والملبس وقلة الذخيرة وجهل الأمور العسكرية والحاجة إلى الضباط الأكفاء، جعل هذا الهجوم شؤمًا على حامية قرق كليسا.» ثم مدح محمود مختار باشا مدحًا جميلًا، وذكر أنه كان يطوف في أنحاء الموقع ويشجع الجنود ويصلح ذات البين عند الخصام، ولكن مرءوسيه لم يكونوا يعملون شيئًا من تلقاء أنفسهم ولم يكن في وسعه أن يكون في كل جهة ومع كل واحد. وكان من جملة ما رواه أن الباشا كان يطلق مسدسه على من يفر ويُحدث الرعب، وأنه اضطر مرة إلى الاشتراك معه في مثل هذا العمل الموجب للأسف والأسى.
وقال لوجنر ضابط عثماني من الأسرى: «إنا لم نكن متأهبين ولا معتقدين أن البلغاريين يهاجموننا كما فعلوا، بل كنا نظن أنهم سيهجمون على أدرنه فينهكون قواهم أمامها، وبينا يكونون مشتغلين بها نتمُّ نحن حشد جيوشنا في المواقع التي نريدها، لكن هجمتهم على قرق كليسا حدثت بغتة فقاتلناهم بشجاعة، على أن القيادة لم تكن حسنة؛ لأن كثيرين من الضباط أرسلوا بعد إعلان الحرب وهم لا يدرون ما يطلبون من جنودهم، ثم إن عدة فرق من الرديف كانت تجهل التعليم العسكري واستخدمت كما تُستخدم الجنود القديمة المنظمة، وكنتَ ترى هذا القائد يريد الهجوم وذاك يريد الدفاع، فيتقدم عدد من الجنود ويتخلف الباقون لا يبدون حراكًا.» ثم مدح البلغاريين بقوله: «إن لهم هجمات بالسلاح الأبيض لا تُرد ولا تُصد، فإذا قتلنا مائة أبصرنا مائتين يمرون على جثثهم ليتموا هجومهم.»
وطبيعي أن خبر هذا الفشل الأول أقام الأستانة وأقعدها كما سترى، وعزم ناظم باشا وزير الحربية وقتئذ على السفر إلى تراقيه، وأخذ الناس يتحدثون بسقوط وزارة مختار باشا، ولكن الحكومة العثمانية لم ترَ من المصلحة الداخلية أن تنشر الحقيقة، بل قالت: إن تقهقر الجنود من قرق كليسا هو بعض الخطة الحربية المرسومة، على أنها ما لبثت أن اعترفت بالحقيقة الجارحة؛ لأن المراسلين الحربيين أذاعوا خبرها في العالمين فلم يبقَ سترها في طاقة الحاكمين.
فظائع وأهوال
وقعت حوادث تدمي الفؤاد بعد التقهقر من قرق كليسا، منها: إحراق عدة قرى وسرقة المؤن، وهرب الأهالي من نساء وأطفال حفاة عراةً، وموت عدد من الجنود تعبًا أو عطشًا وجوعًا.
وروى الماجور فون هوشوختر أن الأهالي البلغاريين واليونانيين كانوا يطلقون الرصاص على الجنود العثمانية من النوافذ، وحدث في إحدى القرى أن رجالها نهضوا ليلًا فذبحوا الضباط والجنود العثمانيين، فلما طلعت شمس اليوم التالي وجدت أعضاؤهم مطروحة هنا وهناك، فاشتد سخط ولاة الأمور - وحق لهم أن يسخطوا - من تلك الفظائع، وأمروا