فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 121

سلستريا لقاء حيادها في الحرب البلقانية، وأن تعدل حدودها على وجهٍ موافقٍ لمصلحتها، ثم دارت المفاوضات من جهة أخرى بين روسيا والنمسا، وانتهت بأن صرفت كل دولة جانبًا من جيشها المعبَّأ وأكدت نيتها السلمية.

فكان هذا التحسن السياسي مُضعفًا لذاك الأمل العثماني ومقويًا لآمال البلقانيين؛ فبقي هؤلاء مُصرين على معظم شروطهم، وخلاصتها أن تستقل ألبانيا كما طلب مجتمع السفراء الذي كان ينعقد بجانب مؤتمر الصلح، وأن تكون جميع الولايات العثمانية الأوروبية غنيمة للبلقانيين، فلا يبقى للدولة العثمانية إلا عاصمتها وعشرات قليلة من الأميال عند بابها.

فأرسل رشيد باشا، المندوب العثماني الأول، تلك الشروط الثقيلة إلى الحكومة العثمانية، فقررت رفضها وبعثت إلى مندوبيها بشروط أخرى وهي؛ أولًا: أن تبقى ولاية أدرنه عثمانية، ثانيًا: أن تحول مقدونيا إلى إمارة تحت السيادة السلطانية وتجعل سلانيك عاصمة لها، ويكون أميرها إنجيليًّا يختاره المتحالفون، ثم يصدر جلالة السلطان أمره بتعيينه، ثالثًا: أن تستقل ألبانيا تحت السيادة العثمانية، ويكون أميرها من الأسرة السلطانية لمدة خمس سنوات ويجوز تجديد مدته، رابعًا: أن تبقى جزر الأرخبيل للدولة العلية، خامسًا: أن لا يبحث المؤتمر في مسألة كريت، بل يكون البحث في شأنها بين الباب العالي والدول العظمى.

وكانت الجلسة التي عُرضت فيها هذه الشروط تحت رئاسة رشيد باشا، فدافع عن مطالب دولته دفاعًا قويًّا، لكن مندوبي الحكومات البلقانية أصروا على رفضها.

ولما رأى أولئك المندوبون أن الحكومة العثمانية بقيت مصرة على طلب أدرنه من وجه أخص قرروا إيقاف المفاوضات، ثم أخذت الدول من جهة أخرى تلح على الباب العالي في وجوب الإذعان، وأرسلت إليه مذكرة أفهمته بها أنها لا تضمن سلامة الأستانة والأملاك الأسيوية إن بقي على هذا الإصرار.

فوقعت وزارة كامل باشا في حيرة شديدة؛ لأنها كانت تخشى الرأي العام إذا قبلت، وتخشى سوء المغبة إذا رفضت، ثم ارتأت أخيرًا أن لا تستقل بأمر السلم والحرب بل تعقد جمعية وطنية من أقطاب السياسة وشيوخ الوزراء لتشاورهم في الأمر.

فعقدت الجمعية في قصر ضلمة بغجة برئاسة كامل باشا وحضور ولي عهد الدولة وأمراء الأسرة السلطانية، ولبى الدعوة جميع الكبراء الذين دُعوا إليها ما عدا كبار الاتحاديين، وفي مقدمتهم محمود شوكت باشا.

ثم افتتح كامل باشا الجلسة، وأمر سعيد بك - مكتوبجي وزارة الخارجية - بأن يقرأ المذكرة الإجماعية التي بعثت بها الدول إلى الباب العالي. ثم تكلم ناظم باشا وزير الحربية فأظهر تشوق الجيش إلى القتال واستعداده لبذل دمه في سبيل الوطن، ولكنه ألمع إلى صعوبة استرجاع ما فقدته الدولة العلية من الأملاك. وتكلم بعده عبد الرحمن أفندي وزير المالية، فأظهر الحالة التي صارت إليها خزينة الدولة من الضيق، وتلاه وزير الداخلية فشرح للجمعية الحالة الداخلية في السلطنة.

وكان نوردنجيان أفندي وزير الخارجية منحرف الصحة فأوعز إلى سعيد بك المذكور أن يقرأ بالنيابة عنه مذكرة وافية عن الحالة العامة، أوضح فيها أسباب الحرب والأطوار التي دخلت فيها، وتطرق إلى الموقف الاستثنائي الذي وقعت فيه السلطنة.

وروت صباح أن كامل باشا قال للجمعية: إنه لا يمكن الاعتماد على مشاكل خارجية أو على تعضيد من جانب ألمانيا والنمسا؛ لأنهما لو كانتا تنويان حقيقةً مساعدة الدولة العلية لما اشتركتا في إرسال المذكرة الدولية. ثم قال: إنه يسلم بالتنازل عن أدرنه، ولكنه يطلب في الوقت ذاته شروطًا من شأنها أن تجعل الحكم الفعلي فيها مشتركًا بين العثمانيين والبلغاريين، وشرح الخطر الخارجي الذي ينجم عن إصرار الدولة على الشروط الأولى مع الأحوال الحاضرة.

وخطب الداماد شريف باشا، والمشير فؤاد باشا، وعبد الرحمن أفندي، ومحمود أسعد أفندي، ورشيد عاكف باشا، وارستيدي باشا، وأحمد هرما أفندي، ومختار باشا الغازي، وإسماعيل حقي بك، فوافقوا كلهم على رأي الحكومة إلا إسماعيل حقي بك فإنه خالفها في الرأي، ثم ارْفَضَّ المجتمعون نحو الساعة الرابعة و 10 دقائق. ونحو الساعة السادسة مساءً أُرسل إلى الصحف بلاغ رسمي جاء فيه ما يلي: عُقد مجلس كبير من رجال مجلس الأعيان وأصحاب المقامات السامية من ملكيين وعسكريين وعلماء، فقدم الصدر الأعظم ووزراء الحربية والمالية والخارجية باسم الحكومة إيضاحات متعلقة بالحالة الحاضرة، ثم دارت مناقشة طويلة في شأن تلك الإيضاحات، وكانت دلائل الإخلاص والاستقامة تبدو عليها، وبعد انتهائها وافقت الجمعية على رأي الحكومة، وأفصحت عن ثقتها بالدول العظمى وأملت أن تحقق فعلًا ما وعدت به من المساعدة، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت