طريقه كان يأخذ منه عددًا من الجنود حتى نزل الآلاي إلى ذاك الحد من الضعف. وإذا أضفنا إلى هذا الخلل أن طريق البحر كان مقطوعًا فلم يكن في طاقة الحكومة أن تستقدم جنود سوريا، أدركنا مبلغ الخطأ الذي نجم عن صرف تلك القوة العظيمة قُبيل نشوب الحرب.
ثم أدى بنا الكلام إلى الخطة الحربية والمصاب الذي حل بالجيش في قرق كليسا، فقال إن عبد الله باشا قائد جيش الشرق قال لجلالة السلطان منذ البداءة: إن الجيش لم يكن مستعدًّا استعدادًا وافيًا للحرب. ثم جرى حديث بينه وبين جلالته في هذا الشأن أمام المرحوم ناظم باشا ومحمود مختار باشا، ولكن حدث في ذاك الوقت أن الطلاب وغيرهم تظاهروا وألحوا في طلب الحرب، وقامت الدلائل على رغبة البلقانيين في دفع الخلاف إلى أقصى الحدود، فأتمر عبد الله باشا بأمر جلالة السلطان واستلم قيادة الجيش في تراقيه، وكان من خطته أن يلزم الدفاع، ولكن ناظم باشا أمره بالهجوم (وقد أيَّد محمود مختار باشا هذا الخبر في مذكراته) .
وكانت الفكرة العامة أن يزحف الفيلق الثالث بقيادة محمود مختار باشا على ميسرة البلغار، ويزحف الفيلق الرابع بقيادة عبوق باشا على ميمنتهم ويهجم الفيلقان الأول والثاني على الجيش البلغاري، وأن تحارب فرقة الفرسان المستقلة في جهة الميمنة ويهجم في الوقت ذاته قسم من حامية أدرنه على الميمنة البلغارية.
إلا أن الجيش العثماني لم يفلح لسوء الطالع في تنفيذ تلك الخطة؛ لأن الرعب الذي حدث ليلًا بين الرديف فكك أوصال فرقة شكري بك، وسرى منها إلى الفيلق الثالث فتقهقر الجنود إلى قرق كليسا، ثم تركوها بلا نظام، ولم يدخلها البلغار إلا بعد ثلاثة أيام؛ لأنهم لم يعلموا بذاك الخطب العثماني في وقته.
وكان دولة البرنس يقود فرقة المشاة الثانية من الفيلق الأول فقاتلت حتى أضناها التعب والجوع وخسرت خسارة عظيمة، ولكن كثرة الرديف غير المدرب فيها أدت إلى تقهقرها بلا نظام كما وقع للفرق الأخرى التي كانت في ذاك الموقع.
وعلى أثر نكبة قرق كليسا صدر أمر عبد الله باشا بحشد الجيش على خط بونار حصار ولوله بورغاز عملًا بمشيئة القيادة العامة، وأخذ يستعد لمعركة لوله بورغاز الكبرى.
وهنا ألمع دولة البرنس في حديثه إلى وقوع خلاف بين عبد الله باشا وناظم باشا، وذهب إلى أن خطة الأول هي المثلى، ولكن ناظم باشا أصرَّ على رأيه.
وما تصرَّمت أيامٌ قليلة حتى مرض دولة البرنس بالدونسطاريا لشدة ما قاساه من شظف العيش والتعب المضني، فسافر إلى الأستانة فأوروبا فمصر للاستشفاء.