وكان في القلعة ذاتها عدد كبير من الأبقار والأغنام فأردنا أن نسوق جانبًا منها إلى الأنحاء الجنوبية، فاستولت الجنود والعصابات البلغارية على أكثره عند نقله.
وكانت القوات العثمانية الموكلة بالدفاع والهجوم مؤلفة من الفرقة النظامية العاشرة تحت قيادة حسام الدين باشا، والفرقة النظامية الحادية عشرة بقيادة المير لوا إبراهيم باشا، والفرقة الثانية من رديف أدرنه بقيادة المير لوا علي ناظم باشا، وفرقة رديف بابا اسكي الثانية بقيادة الميرالاي نوري بك، وفرقة النشانجية وفرقة كرملنجه بقيادة الميرالاي جلال بك، وطوبجية المواقع.
ثم قال عن المئونة: «كان في القلاع عشرة آلاف كيس من الدقيق، واتفق أن موسم الحصاد كان في زمن التعبئة وأن أصحابه لم يتمكنوا بسببها من إرسال حبوبهم إلى الخارج، فاستفدنا منها وجمعنا عشور مدينة أدرنه وجعلناها وديعة في ذمة الحكومة.»
على أن الملح كان قليلًا في بدء الحصار، ولم يكن في المخازن العسكرية شيءٌ منه، فلما بلغني هذا الخبر طلبت منه مقدارًا من دده أغاج، ولكن الخطوط الحديدية كانت مشغولة بنقل الجنود وأثقالها، ولم أنَل بعد الجهد إلا تسع عربات من الملح باسم الشركة، وما مضى شهران ونصف أو ثلاثة من ابتداء الحصار حتى نفد الملح.
وكان ستون ألف صيفحة من الجبن في مدينة أدرنه، فلما علم أصحابها بخبر تعبئة الجيش أرادوا تهريبها، ثم عرضوا على الحكومة أن تساعدهم على نقلها إلى الخارج مقابل خمسة آلاف أو ستة آلاف من الليرات، ولكن حاجتنا إلى المئونة كالدقيق والأرز والفاصوليا والسكر إلخ، وعجزنا عن استحضارها من دده أغاج أو الأستانة، وملاحظة أن ذاك المقدار من الجبن ينفع الجنود والأهالي معًا؛ كل ذلك جعلني أمنعهم من نقل أية كمية من الجبن الموجود، ولقد صح ظني فإن الجبن كان إدام الجنود والأهالي بعد أن نفذ الملح، فكانوا يأكلونه مع الخبز الحلو فيسدُّ بعض الحاجة. أما المرضى والجرحى فقد كنا ادخرنا لهم مقدارًا من الملح كفاهم إلى آخر أيام الحصار.
ولما صدَّ البلغاريون الجنود العثمانية التي كانت في مصطفى باشا وغيرها من الجهات الواقعة خارج القلاع، أصدر شكري باشا منشورًا قال فيه: إن الجنود العثمانية ستقوم بواجب الدفاع حتى النهاية، وستُظهر من الحزم والثبات والشجاعة ما أظهره أبطال بلفنا في الحرب الروسية العثمانية. ثم أوصى الأهالي بالتزام السكون، وطلب إلى السكان الذين لا يملكون مئونةً تكفيهم نحو شهرين أن يبرحوا المدينة، على أنهم لم يكونوا يستطيعون السفر جمهورًا؛ لأن الخطوط الحديدية كانت مشغولة، فبقي في أدرنه أكثر من ثلثي الأهالي، وبلغ عدد الذين خرجوا من أسر الضباط وغيرهم نحو اثني عشر ألفًا على رواية والي أدرنه نفسه.
غير أنه برغم ذاك التدبير أخذ الأهالي يحتاجون إلى الخبز في أواخر أيام الحصار كما روى قنصل فرنسا. ويظهر من حديث والي أدرنه أن هناك أناسًا كانوا يخبئون المئونة.
وصفوة ما يقال من هذا القبيل: إن أهالي أدرنه إذا كانوا لم ينجوا من المضايقة والمخاوف الشديدة بسبب إطلاق المدافع واحتراق المنازل وتهديم بعضها، فإنهم لم يُقاسوا ما قاساه الباريسيون الذين اضطروا إلى أكل الفئران في حرب السبعين.
أما الوجهة الحربية فإن المراسلين وغيرهم أعجبوا بها وعدُّوها مفخرة لشكري باشا ورجاله، وأول ما نذكره للدلالة على دفاع أولئك الشجعان القساور شهادة ضابط صربي لمراسل الديلي تلغراف في بلغراد - والفضل ما شهدت به الأعداء - قال ذاك الضباط: إن شكري باشا لا يعرف التعب، ولا يترك للمحاصرين ساعة يستريحون فيها، بل كان سحابة الليل والنهار يرقب حركاتنا وسكناتنا حتى اعتقدنا نحن الصربيين والبلغاريين أن الرجل بطل كبير ووطني صادق، وصرنا نحترمه ونقدر قدره بعد ما رأينا من أفعاله، ولقد هرب في الأسبوع الماضي مائتان من الحامية وسلموا إلينا في الجهة الشرقية، فلما سألناهم أطنبوا في مدح شكري باشا والثناء على همته وبسالته، وقالوا: إنه كان يقضي معظم وقته في جامع السلطان سليم ويراقب منه حركات الجنود البلغارية والصربية. ثم ختم الضابط الصربي حديثه قائلًا: «إن الدفاع عن أدرنه وأشقودره يُزين صفحة جميلة من صفحات التاريخ العسكري العثماني.»
وقال مراسل التيمس: «إن عظمة العثمانيين وعزة أنفسهم في الأوقات المحزنة، لم تبلغا في وقت من الأوقات الدرجة التي بلغتاها في أدرنه، وإن اصفرار وجوه الحامية، وملابسها البالية الممزقة لدليل على الشدة التي قاستها في أواخر أيام الحصار.»
وأنشأ المارشال فوندر غولتز مقالة دافع فيها عن شكري باشا وقال: «إن أدرنه شرفت العثمانية بقدر ما حطت كارثة قرق كليسا من شأنها، وهذا قولٌ يجب التصريح به لمن يهمهم أمر الوطن العثماني حتى يعلم أبناء العثمانية خاصة والناس عامة أن الجندي العثماني هو أقوى جنود الأرض طرًّا، بشرط أن ينال حقه من المأكل والمشرب والملبس والعدة