وفي ذلك الوقت نفسه كانت قوة بلغارية زاحفة على نهر مريج، فاحتلت ديمتوقه وصوفيلو.
على أن الجنود العثمانية لم تحاول أن توقف الجنود البلغارية في جهة من تلك الجهات، وما توالت المناوشات بين طلائع العدوين إلا منذ 12 أكتوبر بعد أن احتل البلغاريون سيلوري، ليدفعوا فيها عن ميمنة جيشهم إذا تمكن العثمانيون من إنزال قوة عن طريق البحر.
ثم قضى البلغاريون أيام 14 و 15 و 16 نوفمبر في استطلاع طلع العثمانيين وتعرُّف مواقعهم، ومواضع مدافعهم، والأماكن التي يحسن فيها نصب المدافع البلغارية، وسائر ما يجب العلم به قبل المعركة. ثم عزم أركان الحرب أن يجعلوا هجومهم من جهتين؛ إحداهما: جنوبية، والثانية: شمالية. وكانت المواقع التي اتخذها البلغاريون تعلو مواقع العثمانيين بنحو مائة متر، فتمكنهم من رؤية ما يجري في الصفوف العثمانية، ولكن المسافة كانت واسعة بينهم في بعض الأنحاء.
وبينما كان الجيشان واقفين على تلك الحال ومستعدين للقتال كانت وزارة كامل باشا تسعى في عقد هدنة، فأمرت القائد العثماني العام بأن يُرسل مندوبًا يطلبها من قائد الجيش البلغاري. ولما وصل المندوب إلى معسكر البلغاريين أجاب قائدهم بأن الأمر منوط بحكومته، فيجب أن تكون المفاوضة في هذا الشأن بين الأستانة وصوفيا، وربما كان إرسال هذا المندوب باعثًا على اعتقاد القواد البلغاريين أن الحكومة العثمانية ما أرسلته إلا لشدة اقتناعها بأن الجيش العثماني أضعف من أن يقاومهم، وأن هجمة قوية تكفي لتبديد شمله.
معركة 17 نوفمبر
ولما كان اليوم السادس عشر من نوفمبر تمت أهبة البلغاريين، وفي 17 منه تقدَّم قسم من الجيش البلغاري الأول، ونشب قتال شديد قاوم فيه العثمانيون مقاومة لم تكن في حسبان البلغاريين، ومما يدل على شدته في الجهة الشمالية أن البلغاريين غنموا عددًا من المدافع ثلاث مرات وخسروها ثلاثًا؛ لأنها كانت بلا خيل ولأن العثمانيين تفانوا في سبيل استبقائها. ثم غربت شمس 17 نوفمبر والعدوَّان في المواقع التي كانا فيها عند الصباح. وكان من أهم العوامل في صد هجوم البلغاريين مساعدة البارجتين مسعودية وبرباروسا من خليج جكمجه.
تلك نتيجة هجوم الجيش البلغاري الأول، أما الجيش البلغاري الثالث فقد كان هجومه أشد من هجوم الجيش الأول وأصابته خسارة عظيمة؛ لأن البطاريات العثمانية كما قال الكولونل بوكابيل: كانت سديدة الرماية. وحدث أن الفرقة البلغارية الثالثة وقعت بين نارين فكان هذا الخطاء وبالًا عليها. ولما رأى قائد الجيش المذكور أن جنوده لم تتقدم نهارًا إلى حيث أراد، أمر بعض فرقها بأن تثابر على الهجوم ليلًا، فاستولت على لازار كوى وما فيها من الخنادق العثمانية، ولكن محمود مختار باشا قائد الفيلق الثالث اغتنم فرصة الضباب صباحًا فحمل عليهم حملة صادقة وطردهم من الخنادق، ولشؤم طالعهم في تلك الوقعة ظنتهم بطارياتهم من العثمانيين وأخذت ترميهم بالقنابل ... فذعروا وتبعهم العثمانيون، لكنهم عادوا فضموا أطرافهم وجمعوا قواتهم.
أما خسارة البلغاريين فيقول الكولونل بوكابيل: إنها بلغت في اليوم المذكور 10000 رجل بين قتيل وجريح، وأما خسارة العثمانيين فقد كانت عظيمة إلا أنها أقل من خسارتهم، والمستفاد من أقوال الاختصاصيين عن تلك الوقعة أن البلغاريين لم يكونوا راغبين في هجمة عامة فاصلة، بدليل أن جانبًا من قواتهم لم يقتحم نار القتال، بل أرادوا أن يعرفوا مبلغ القوة العثمانية فتحول عملهم إلى معركة دموية كبيرة عرفوا منها أن الجيش العثماني المرابط هناك لا يسهل قهره. وكانوا يعلمون فوق ذاك كله من الوجهة السياسية أنهم وإن دخلوا الأستانة لا يستطيعون البقاء فيها؛ لأن الدول حتى روسيا حامية الصقالبة تضطرهم حينئذٍ إلى تركها، فعلامَ إذن يُفنون معظم جيشهم عند بابها؟! أجل إن أخذها بالسيف يُسَهِّل عليهم اشتراط ما يريدون من شروط الصلح، ولكن ما يستفيدونه لا يُضاهي ما يخسرونه على افتراض أنهم يفلحون.
وزد على ذاك كله أن المفاوضات في شأن الهدنة كانت جارية بين الأستانة وصوفيا، فقد روى رئيس تحرير الماتين إن كامل باشا كتب إلى ملك البلغار نفسه في هذا الشأن، فليس من الحكمة ولا من أصالة الرأي أن يواصلوا القتال ما دامت يد السياسة تعمل على إغماد السيف.
لتلك الاعتبارات ولعلمهم في يومي 17 و 18 نوفمبر أن الجيش العثماني الذي قابلهم في جتالجه هو غير الجيش الذي قاتلوه وقهروه في قرق كليسا ولوله بورغاز، ولكون طبقة 1912 - 1913 من جنودهم لم تصل ولم يكونوا ينتظرون وصولها قبل أواخر نوفمبر؛ قرروا أن يتقهقروا إلى مواقع تبعد عن مواقع العثمانيين مسافات تختلف بين 5 و 7 كيلومترات على ما جاء في كتاب الكولونل بوكابيل، وكان تقهقرهم على مهل في 19 و 20 و 21 من نوفمبر تحت حماية مدافعهم ومؤخرتهم، وكان العثمانيون يلاحقونهم ويناوشون الفرق المتأخرة منهم، وقد دُهش قواد الجيش العثماني من هذا التقهقر؛ لأنهم كانوا يتوقعون هجمات ترخص فيها الأرواح ولا سيما في جهة الفيلق العثماني الثالث. وكان ناظم باشا القائد العام برغم هذا النجاح يهتم كل الاهتمام بإنشاء خطين جديدين للدفاع وراء جتالجه؛ لأن ثقته بالنجاح النهائي لم تكن قوية راسخة.