البلقانية ومقدمات الحرب الروسية العثمانية، حتى في الكلمات. والواقع أن البلغاريين وحلفاءهم كانوا عازمين عزمًا راسخًا على الحرب برغم كل مذكرة دولية، وأقوى برهان على هذا العزم أنهم أعدوا جوابهم على مذكرة الدول قبل أن تصلهم ويقفوا على معناها، كما قال الموسيو رينيه بيو مراسل التان الحربي الذي كان في صوفيا يوم وصول تلك المذكرة؛ أي 8 أكتوبر.
وفي التاسع من أكتوبر اجتمع مجلس نظار البلغار فنظر في المذكرة الدولية وحكم بأنها لم تُعين الإصلاحات المطلوبة تعيينًا كافيًا ولم تشتمل على الضمانات الواجبة لتنفيذ تلك الإصلاحات. غير أنه لم يشأ أن يقرَّ على القرار الفاصل قبل أن يطلع على آراء حكومتي بلغراد وأثينا، وما طلعت شمس الثالث عشر من أكتوبر حتى كان الاتفاق تامًّا بين المتحالفين على صيغة جوابهم للدول العظمى، وإليك معناه.
استهلت حكومات البلغار والصرب واليونان مذكراتها المتشابهة بشكر الدول العظمى لما أظهرته من الاهتمام بالمسألة البلقانية، ثم ذكرت أنها أصبحت في حالة توجب عليها أن تطلب من الباب العالي مباشرةً تعيين مقاصده المختصة بالإصلاح المقدوني، فكان هذا الجواب رفضًا صريحًا لما تضمنته مذكرة الدول، وكان هذا الرفض منويًّا كما قدمنا.
وبعد تسليم الجواب إلى معتمدي الدول أسرعت الحكومات البلقانية إلى تسليم بلاغها الذي أعدته للدولة العلية، وطلبت فيه مطالب كان من الثابت الأكيد لديها أن الحكومة العثمانية سترفضها. ونحن نكتفي هنا بذكر ما تضمنه البلاغ البلغاري؛ لأنه يشبه في جوهره ما طلبته حكومة الصرب واليونان، فهو يتضمن تسعة مطالب؛ أولها: أن تُقسم الولايات العثمانية (في تركيا أوروبا) على أساس الجنسيَّات. ثانيًا: أن يُنتخب منها نواب للبرلمان العثماني يكون عددهم على نسبة عدد أهلها. ثالثًا: أن يُقبَل المسيحيون في وظائف الحكومة وتُراعى المساواة بينهم وبين المسلمين. رابعًا: أن تكون جميع المدارس على اختلاف أديانها متساوية. خامسًا: أن تكف الحكومة العثمانية عن إرسال المهاجرين. سادسًا: أن تُنشأ جندية محلية يُعين فيها ضباط مسيحيون. سابعًا: أن يُجدد تنظيم الجندرمة تحت إمرة ضباط من سويسرا وبلجيكا وأن يُمنحوا سلطة فعلية. ثامنًا: أن يُعين ولاة مسيحيون من سويسرا. تاسعًا: أن تُؤلف مجالس عالية نصف أعضائها من المسيحيين والنصف الآخر من المسلمين لمراقبة إجراء الإصلاح، وكان في نية ساسة البلغار كما قال مراسل التان أن يطلبوا من حلفائهم إخراج الجنود العثمانية من مقدونية وغيرها. إلا أنهم اتفقوا أخيرًا على مطلب أصعب من ذاك الطلب وأدل منه على رغبتهم في إقفال كل باب للاتفاق، وهو أن تكون الحكومات البلقانية مشرفة على الإصلاح المطلوب، وليس في وسع الدولة العلية أن تقبل مثل هذا الطلب من دول صغيرة كان بعضها حتى سنة 1877 ولاية عثمانية، فنشأ عن مطالب البلقانيين أن الهياج اشتد في العاصمة العثمانية، وأقيمت المظاهر بطلب الحرب وقَوِيَ تيار الرأي العام حتى بات من الخطر الداخلي على الحكومة أن تصدَّه بعنف، كما بات من الخطر الخارجي الأعظم أن تبطئ الحكومة في التعبئة، ولكنها لم تُوَفق لسوء طالع الأمة العثمانية.
ولقد أضر تفاؤل تلك الحكومة ببقاء السلم أبلغ الإضرار بالسلطنة، وربما انتحل لها مريدوها من الأعذار أن الخطب الرسمية التي ألقاها أقطاب السياسة بقيت تعزز أمل المتفائلين خيرًا إلى ما قبل إعلان الحرب ببضعة أيام، وأن وزير الخارجية الإنكليزية الذي كان الأمل منوطًا بمساعدته السياسية قال في السابع من أكتوبر على مسمع من نواب الإنكليز: «إني لا أُقَدِّر الفشل للدول في مساعيهن، وأن إنكلترا ستبذل ما في وسعها لحفظ اتحاد الدول العظمى إن وقع ذاك الفشل.»
على أن ذاك العذر شديدُ الوهن؛ لأن المسائل الحيوية لا يجوز فيها التفاؤل الحسن ما دام لدى الساسة خطر أو شبه خطر خارجي، والسياسة المُثلى في مثل تلك الحال أن تشتغل الحكومة بيمناها لتجعل الأهبة تامة، وتشتغل بيسراها لترجح كفة السلم على كفة الحرب.
طلبت حكومات البلغار والصرب واليونان تلك المطالب على صيغة لا يُرجى معها سلام، وكانت حليفتها حكومة الجبل الأسود، قد أعلنت الحرب منذ 8 أكتوبر قبل مخاطبة معتمدي روسيا والنمسا الموكلين من قِبل الدول بالسعي في سبيل السلم، وكانت الجنود العثمانية من جهة ثالثة قد أخذت تسافر إلى تراقيه وغيرها من أنحاء البلقان، وازداد هياج الجمهور العثماني في معظم أنحاء السلطنة فأيقنت الحكومة العثمانية - ولكن بعد ضياع الوقت الثمين - أن الكلام أصبح للمدفع، وقررت ألا تجيب حكومات البلقان على مذكرتها تحقيرًا لها، واكتفى نوردانجيان أفندي وزير خارجتيها بأن يقتصر على إجابة الدول العظمى التي طلبت الإصلاح طبقًا للمادة 23 من معاهدة برلين، وإليك فحوى جوابه: أنا وزير خارجية جلالة السلطان أتشرف بتذكير سفراء الدول العظمى أن الحكومة السلطانية اعترفت بضرورة إجراء الإصلاح الإداري في ولايات تركيا أوروبا، واقتنعت بوجوبه إلى حد أنها تريد إجراءه بنفسها من غير أن يكون لأجنبي يدٌ فيها، وهي ترى أن القيام بالإصلاح على هذا المنوال يعود بالسعادة والنجاح الاقتصادي، ويوثق عرى الوئام بين العناصر المختلفة من الأهالي طبقًا لما تقتضيه روح الدستور.