فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 121

وجديرٌ بنا أن نذكر هنا أن من الأسباب الجوهرية في حبوط المساعي الإصلاحية، إحداث الاضطرابات والجنايات التي لم يبقَ شك ولا ريب في غاية محدثيها، وأن الحكومة العثمانية تقدر قدر البلاغ الودادي الذي رأت الدول إرسالهُ في الظروف الحاضرة، وتشاركها من صميم الفؤاد في الجهد الذي تبذله لمنع الحرب وما تجرُّه من الويل والكرب؛ لأن من واجب العالم المتمدن أن يتلافى حدوثها بجميع الوسائل السلمية، ونحن مقتنعون بأنَّا سبقنا إلى تسهيل سبيل المهمة الإنسانية التي تريد الدول أداءها بحل المعضلة الهائلة التي لديها.

وليس من مراد الحكومة السلطانية أن توضح هنا أن تنفيذ معاهدة برلين لم يكن طبقًا لروحها ولا لحرفيتها، ولا أن تنظر في القيمة الباقية للمادة 23 من تلك المعاهدة، بل تقتصر على التصريح بأنها قررت من تلقاء نفسها أن تعرض على البرلمان العثماني قانون 1880 ثم ترفعه إلى جلالة السلطان للموافقة عليه عملًا بمقتضى الدستور، ويمكن للدول العظمى أن تكون واثقة منذ اليوم بأن الحكومة السلطانية تُنَفِّذ القانون المذكور بكل تدقيق.

ثم رأى الباب العالي أن يصدر أوامره في 15 أكتوبر إلى معتمديه في عاصمة البلغار وعاصمة الصرب بالسفر منهما؛ لأن ابتداء القتال أصبح لا مناص منه في أقرب وقت بعد البلاغ الذي أرسلته الدول البلقانية، وعزمت الحكومة العثمانية على نبذه وإغفاله، وهذا ما كانت تنتظره الحكومات البلقانية بل ما كانت تريده وتعمل له.

وإذا أراد القارئ أن يعرف الصبر الذي اعتصمت الحكومة العثمانية بحبله في البدء، فحسبه أن يطلع على ما كتبه الموسيو ستفان لوزان رئيس تحرير الماتين الذي كان في الأستانة أيام الحرب، فقد ذكر أنه قابل دولة نوردانجيان أفندي وحادَثه في موضوع الحرب، فقال له الوزير: «لم يكن في وسع أمة أوروبية عظيمة أن تصبر صبرنا وتحتمل ما حملنا من الإهانة، فإنه منذ شهرين دخلت عصابات مسلحة إلى أرضنا وقتلت عددًا من جنودنا ونهبت بلادنا وهدمت بعض معاقلنا، فكان عملها إهانةً واضحةً لنا وهتكًا لحرمة أرضنا، ولو وقع مثل هذا الحادث في أي بلد آخر لكان سببًا كافيًا للعدوان. أما نحن فقد غالينا في التسامح إلى حدِّ الضعف، فدفنا قتلانا وجددنا معاقلنا وسكنا غضب الأهالي.»

ثم ذكر الوزير الإصلاحات التي أجراها مع زملائه أو حاولوا إجراءها، وما كان من عزمهم على طلب ستة عشر مستشارًا إنكليزيًّا للولاة، ثم قال: «ولكن البلقانيين كانوا يندفعون في سبيل العداء والوقاحة بقدر ما كنا نتقدم في سبيل الإصلاح، أما اليوم فقد صرنا إلى الحرب، فلتكن الحرب ... إنها تنشب رغم إرادتنا وإرادة أوروبا ولا سيما فرنسا التي بقي رئيس وزارتها يسعى حتى آخر دقيقة في سبيل تلافيها، وإنا سندير رحاها بكل ما نملك من نشاط ووطنية.»

كارل ملك رومانيا التي تهدَّدت بلغاريا بالحرب وأخذت منها سلستريا بدل حيادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت