وليس من فضلة الكلام أن نذكر هنا محصل ما نشره الموسيو هـ. وجنر الكاتب الحربي الشهير في النمسا، ومراسل «الريشبوت» أيام الحرب البلقانية، فإن هذا الكاتب الذي قربه إليه ملك البلغار ورئيس الوزارة البلغارية عقد فصلًا عن التحالف البلقاني في كتابه المسمَّى «في سبيل الانتصار مع جيش البلغار» نأخذ منه ما يلي: إن فكرة الحرب البلقانية لم تمتد وتنتشر إلا بعد نشوب الحرب الطرابلسية التي هي أول حرب قاست تركيا الدستورية نيرانها وخاضت معمعانها، وهي التي هيَّجت شوق الحكومات البلقانية «إلى تصفية حساب» المنازعات القديمة دفعة واحدة مع الدولة العثمانية، فعمدت إلى المفاوضة الأولى في ذاك الوقت إرادة أن تنال منها نتيجة قبل أن تضع الحرب الطرابلسية أوزارها. وفي ذاك الوقت أيضًا ذهب مندوبون مقدونيون إلى روما للمذاكرة في الموضوع.
وكان أثر الحرب الطرابلسية على أشده في البلاد البلغارية، حيث يعتقد جماعة من السياسيين منذ زمن طويل أن تضامن الصرب والبلغار واليونان هو أمر ممكن برغم التنازع الذي كان قائمًا بينهم، ثم قويت الفكرة شيئًا فشيئًا حتى اتجهت إليها أفكار الحكومات وكان الموسيو فنزيلوس رئيس الوزارة اليونانية من أشد أنصارها.
ولما كان شهر مايو سنة 1912، وضع مشروع أولي للتحالف، وجميع القرائن تدلنا على أن دولة الصرب ودولة البلغار هما اللتان تفاوضتا واتفقتا أولًا، ثم أخذت الحكومة البلغارية تفاوض حكومة اليونان، وأخذت حكومة الصرب تفاوض الجبل الأسود وتوقف الحكومة البلغارية على مجرى المفاوضة، والظاهر أن حكومة الصرب هي التي شرعت في تلك الحركة قبل غيرها، وأن الاتفاق بُني أولًا على شئون سياسية واقتصادية لا على مقاصد عدائية، ثم عقد التحالف العسكري قبل نشوب الحرب بمدة قصيرة.
وروى الموسيو وجنر في محل آخر من كتابه أن الموسيو جيشوف رئيس الوزارة البلغارية عقد في فينا اجتماعًا من معتمدي دولته السياسيين في باريس وفينا وروما وبرلين وشاورهم في أمر الحرب، فارتأى معتمدا فينا وبرلين على ما قيل: إن الوقت غير موافق لحل العقدة بحد السيف.
أما معتمد باريس الدكتور ديمتري ستانيسيوف فخالفهما في الرأي، وذهب إلى أن تصريح الدول بعزمها على حفظ خريطة تركيا كما هي لا يُعْتدُّ به ولا يُنظر إليه بعين الجدِّ، ولا سيما أن إحدى تلك الدول (إيطاليا) هبت تخالف ذلك. ثم وافقه الموسيو ريزوف معتمد البلغار في العاصمة الإيطالية وطلب أن لا تُضيِّع بلغاريا فرصة الحرب الطرابلسية كما أضاعت فرصة 1908 - 1909.
وأما الموسيو جيشون رئيس الوزارة البلغارية فلم يكن شديد الميل إلى معاداة الدولة العلية، وليس جنوحه إلى المسالمة في ذاك الحين إلا اجتنابًا للمجازفة والمخاطرة، فإن الرجل مثل سائر البلغاريين يدعوهم الطمع والحقد والسياسة والجنس والدين إلى تلقف كل ما يمكن أخذه من يد السلطنة العثمانية. ومما يُذكر هنا كتاب بُعث به إلى الموسيو وجنر (فنشره في صدر مؤلفه) ، وروى فيه أن ولاة الأمور العثمانيين قبضوا عليه بمدينة فليبولي في شهر سبتمبر سنة 1877 وزجوه في السجن؛ لأنه نشر في جريدة التيمس سلسلة مقالات طعن فيها على الحكومة العثمانية، ثم اتفق له بعد سجنه أن نظر في جريدة تركية اسمها «وقت» ، فإذا فيها أن المحكمة أصدرت حكمًا بإعدامه، ولكنه ما لبث أن نجا بأعجوبة - على قوله - من المشنقة، وبعد ذاك الحادث بخمس وثلاثين سنة صار رئيسًا لمجلس النظار البلغاري، ولما عرضت فرصة الانتقام ورآها موافقة لدولته أصبح هو حربًا على تركيا بعد أن كان يبتسم لها ويميل إلى مجاملتها.