فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 121

وهذا كله رأيته بعيني وكدت أقع من أجله في يد طوافة من البلغاريين المستطلعين، ولا شك في أن الجيش البلغاري أضاع فرصة من أجمل الفرص التي تسنح لجيشٍ منصور، وما ذاك إلا لأن باقي الجيش العثماني لبث حزومًا مدافعًا.

وذكر جملة من الكُتَّاب الحربيين (ومنهم الكولونل الفرنساوي) أن الأسباب التي من أجلها أحجم الجيش البلغاري عن اللحاق بالجيش العثماني هي عدة؛ أولها: أن التعب نهك أجسام البلغاريين، والثاني: أن المؤن والذخائر لم تكن كافية لديهم، والثالث؛ أنهم كانوا ينتظرون جنودًا جديدة بعد وصول الصربيين إلى جهة أدرنه؛ لأن جميع الجنود الاحتياطية التي جاءتهم خاضت غبار المعركة الكبرى وخرجت منها بعد خسارة ومشقة، فوجب عليهم أن يصبروا بضعة أيام قبل الزحف إلى جتالجه.

ولما قرروا الزحف بعد وصول العَدد والعِدَد نظموا جيوشهم ثم قسموها كما يلي: الميسرة: الجيش الثالث ومعه أربع فرق أخرى.

الميمنة: الجيش الأول ومعه أربع فرق وعدد من الفرسان.

وأبقوا لواء الجيش الثالث معقودًا للجنرال راتكو ديمتريف الذي أبدى حزمًا ونشاطًا وكفاءةً في المعارك الماضية، ولواء الجيش الأول للجنرال كوتنتشيف.

وكان الجيش العثماني لا يزال في تقهقره، فمن الجهة الشرقية كان يسير الفيلق الثالث ومن ضمهم إليه متبعًا طريق سراي وجركس كوى، ثم دخل من هناك غابةً كثيرة الأدغال والأشجار فكان فيها بمأمنٍ. ومن الجهة الغربية كانت تسير بقايا الفيلق الأول مع الفيلق الثاني والفيلق الرابع متبعةً طريق جانطه إلى جتالجه، على أن النظام كان مختلًّا فيها بعكس الفيلق الثالث، ومما زاد الجنود عذابًا فوق عذاب التعب والجوع أن المطر بقي يهطل مدرارًا سحابة أسبوع حتى كان منظرهم ولا سيما الجرحى يُدمي العيون ويُفطر القلوب.

ولما وصلت الجنود العثمانية إلى خط جتالجه قابلتها جنودٌ أخرى جديدة من أرضروم وأزمير وسوريا، وعدد قليل من الضباط وبينهم عدد من الضباط الألمانيين، وأخذ ناظم باشا زمام القيادة الفعلية، وأصبح إرسال الميرة مؤكدًا مضمونًا لقرب الجيش من الأستانة، وضُربت الخيام في جهات كثيرة، ثم عُززت البطاريات باثنين وخمسين مدفعًا من مدافع كروزو الفرنساوية، وهي التي كانت مرسلة إلى الصرب قبيل الحرب، فاستولى عليها العثمانيون في الطريق.

ثم وحدث لسوء الحظ أن الكولرا ظهرت بالأستانة في تلك الأثناء فانتقلت إلى صفوف الرديف في جتالجه، وظهرت معها الدوسنطاريا فأودت بنفوسٍ كثيرة.

وليس بنا حاجة إلى القول أن خبر رجوع الفيالق العثمانية إلى باب الأستانة بعد الخطب الجلل الذي أصابها في لوله بورغاز أحدث هرجًا ومرجًا فيها، بل في العالم الإسلامي كله، وأخذ قومٌ في الأستانة ينصحون للحكومة بأن تفعل فعل ملوك البلقان فتعلن الجهاد، ولكن وزارة كامل باشا (التي خلفت وزارة مختار باشا) أبت أن تنهج هذا النهج، واكتفت بأن ترسل عددًا من العلماء إلى جتالجه، ثم نشرت بلاغًا رسميًّا في هذا الشأن قالت فيه: «إن مائة عالم من الفصحاء وذوي الحجة الدامغة يجتمعون في جتالجه ليحضوا الجيش على وجوب الجهاد ويعززوا قوته المعنوية.» وهنا نترك الكلام للموسيو ستفان لوزان رئيس تحرير الماتين الذي كان في الأستانة ليصف لنا الحالة فيها، قال في مؤلفه عن الحرب: وصل خبر المصاب الجلل الذي حلَّ بالجيش العثماني في لوله بورغاز إلى لندرا وباريس قبل أن يصل إلى الأستانة نفسها، فإنه لم يتصل بالسفارات إلا في هزيع متأخر من ليل الأحد 3 نوفمبر، ولم يعلم الترك متسع الخطب إلا صباح الاثنين (أي بعد المعركة بأربعة أيام) ، حين صدر البلاغ الرسمي وكانت السماء غائمة محزنة في ذاك الصباح، وهاك معنى البلاغ: «إن النجاح في جميع الأنحاء وقت الحرب أمر غير ممكن، والأمة التي تخوض حربًا يجب عليها أن تقبل مع الحزم التام جميع النتائج التي تنجم عنها، وهو مبدأ لا يجوز إغفاله أو نسيانه، وعليه يجب اجتناب الغلو في الطرب عند النجاح كما يجب التزام الحزم والصبر عند الفشل. فإن جيشنا مثلًا بقي منصورًا في مقاومة البلقانيين المتحالفين بجهة يانيه وجهة أشقودره. ولكن الجيش الشرقي في جهات ويزه ولوله بورغاز رأى أن يتقهقر إلى جتالجه ليكون أقوى على الدفاع منه في تلك الجهات، وأنه لمن المقرر الطبيعي أن نبذل كل ما في وسعنا لصيانة مصالح الوطن.»

صدر هذا البلاغ الرسمي، وفي يوم صدوره أخذت المحطة تلفظ على العاصمة العثمانية جموعًا من ذوي الأعضاء المبتورة والجسوم النحيلة الدامية، فينسلون في الشوارع والرحبات العامة وهم صفرٌ عاطلو الوجوه من نور الصحة، وبردُ نوفمبر يقرس جلودهم: أولئك هم جرحى الحرب، يقصون من أخبارها ما يحزن القلب ويورث الكرب ويمثل نصب العيون مجمل أهوالها، وإني لا أزال أسمع حتى الساعة صوت شاب في المستشفى الفرنساوي اسمه رياض بك يقص عليَّ ما رأت عيناه من المشاهد. وحكاية هذا الشاب أنه ذهب مع وفد الصليب الأحمر إلى ساحة القتال للعناية بالجرحى، ولكنه لم يستطع أن يضبط عنان شوقه إلى القتال حين دوي المدفع في لوله بورغاز، فنزع من ذراعه شارة الصليب الأحمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت