فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 121

ولكن الناظر إليها بعين الناقد يجد مع ذاك كله مواضع للضعف في تلك القلاع، فإنك لا تجد فيها خنادق منحدرة بالمعنى الصحيح لوقاية الحصون من الهجمات، ثم ترى بجانب البطاريات الحديثة حصونًا قديمة ذات شأن عظيم متداعية للخراب، كما ترى في أحدث الحصون ما يدل على توفير لا معنى له في رص المواقع المعرضة للقنابل.

أما عدد الحامية فقد كان سبعين ألف رجل، ولكن قوتها المعنوية وتعليمها الحربي لم يكونا على غاية ما يرام، ونحن مع اعترافنا بشجاعة قائدها شكرى باشا وأداء ما يستحقه من الإكرام، نرى أن الجنود التي كانت تحت إمرته لم يكن عندها من كنوز البراعة والنشاط ما كان للحامية التي تولى قيادتها عثمان باشا في بلفنا، فإن رجال بلفنا دخلوها مدينةً مفتوحةً، فما لبثوا أن حولوها إلى موقعٍ حصينٍ أوقف هجوم الجيش الروسي واستوقف معظمه حول موقعها، أما حامية أدرنه فلم تزد شيئًا على معدات الدفاع التي كانت قبل الحرب بل وقفت جامدة تنتظر ما تأتيها به يد القدر، في حين أن البلغاريين والصربيين كانوا يشتغلون بلا انقطاع في الأشهر الخمسة، فحفروا الخنادق وأنشئوا المراصد الخفية وبنوا مراكز للدفاع.

أما أطوار الحصار فهي كما عرف المُطالع تدل على أن البلغاريين اتبعوا القواعد الحربية الصحيحة، فإنهم اهتموا أولًا بقهر معظم القوات العثمانية في تراقيه، واكتفوا بأن يرسلوا إلى جهة أدرنه فرقتين ربما كان عدد رجالهما أقل من عدد الحامية، ثم جاءتهم فرقة ثالثة وفرقتان من الصربيين فضيقوا حلقة الحصار شيئًا فشيئًا بعد عدة معارك. وفي أواخر شهر أكتوبر طلب الجنرال إيفانوف إلى القيادة العامة أن تأذن له في هجمة عامة على مواقع أدرنه وكرر هذا الطلب، غير أن أركان الحرب رفضوا طلبه؛ لأنهم لم يرغبوا في شدة المخاطرة، بل رأوا من الصواب والحكمة أن يصبروا حتى تسقط المدينة بالجوع أو بشدة الهلع من القنابل المتساقطة على أحياء المدينة.

ولما عقدت الهدنة انقطع البلغاريون عن ضرب المدينة ثم عادوا إلى ضربها بشدة هائلة بعد إلغاء الهدنة.

ولكن عزيمة شكري باشا لم تهن بديمة القنابل أو غيرها، فلما رأى البلغاريون أن حالتهم لا تمكنهم من إقامة حصار منظم يقتضي إنشاء مواقع ومستودع أسلحة وطرقًا خفية وعددًا كبيرًا من الجنود الفعلة، ورأوا من جهة أخرى أن المواصلات لا تسمح لهم بمثل تلك الأعمال الكبيرة الطويلة، قرروا أن يهجموا على أدرنه ويأخذوها عنوةً وقسرًا كما طلب الجنرال إيفانوف. وفي 23 مارس صدر إليه الأمر بالهجوم الشديد على المواقع الشرقية الشمالية، وفي 24 منهُ أخذت المدافع البلغارية كلها تحول نيرانها إلى الجهة المعينة للهجوم، فأجابتها البطاريات العثمانية، ولكن النيران البلغارية الهائلة أسكتتها بعد مدة، وما اسودَّ جنح الليل حتى هجم البلغاريون بالسلاح الأبيض فاستولوا على المواقع العثمانية، ثم واصلوا الهجوم - كما شرحنا قبلًا - حتى تم لهم النصر وأسروا الحامية وغنموا مدافعها وكل ما كان لديها من المئونة.

أما النتيجة التي استخلصها الموسيو ميسيمي فهي: «أنه يعتقد مع جماعة من كبار الضباط البلغاريين أن المواقع الحصينة تكون مهددة بخطر السقوط إذا وُجِّهت المدافع الفاتكة إلى نقطة واحدة منها، فأودت بقوتها، ثم هجمت عليها تحت حماية المدافع جنودٌ باسلةٌ تريد النصر ولا تخشى الموت في سبيله، وأن البلغاريين لم يلبثوا خمسة أشهر أمام أدرنه؛ إلا لأنهم كانوا مضطرين إلى تسيير القسم الأعظم من جيشهم إلى جهات أخرى؛ ولأن مواصلاتهم ومعداتهم كانت غير كافية، وليس هذا حال دول أوروبية عظيمة، فإنها إذا كانت محاصرةً تتذرع بجميع الذرائع العلمية الحديثة لهدم قلاع عدوها، وإذا كانت محصورةً فلا تدع في مواقعها وجوه الضعف التي ظهرت في بعض جهات أدرنه.»

1 عن الكولونل بوكابيل.2 التيمس.3 التيمس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت