من شرقها إلى غربها وشماليها إلى قبليها، بلغ عدد ضحاياها ما بين 15 و 20 ألف نفس، والمأخوذ اليوم من عدة روايات غير عثمانية أن الذين ذبحتهم الجنود المتحالفة في ولاية واحدة يربو على هذا العدد.
ونقول في الوجه الثاني: وهو أن جميع الجنود في جميع الحروب لا يخلو تاريخها من أنباء القسوة والحوادث المؤلمة؛ أجل إن الروسيين في حرب بولونيا، والألمانيين في حرب السبعين، والإنكليز في حرب الترنسفال، لم تخل أعمالهم من ضروب القسوة والخشونة، ولكن الفرق كبير بين حوادث معدودة تقع هنا وهناك وبين فظائع عامة شاملة يراد بها استئصال جنس من الأجناس، أو إنقاص عدده إلى حيث يتولاه الضعف فلا تقوم له قائمة، ولو كان مبلغ الفظائع البلقانية في حرب البلقان كمبلغ الفظائع العثمانية فيها، أو مبلغ فظائع الألمانيين في حرب السبعين لقلنا إن الجيوش المؤلفة من مئات الألوف لا يمكن أن تكون كلها مدنية مهذبة الطبع كريمة الخلق، بيد أن متسع الفظائع التي تنسب إلى الحلفاء بلغ حدًّا قصيًّا، حتى قال فيه بعض الكُتاب الأحرار: «إنه إذا صحت جميع أخبارها فإن البلقانيين ارتكبوا في خمسة أشهر بقدر ما ارتكبه الباشبزق والجنود التركية في خمسة قرون.»
أما الوجه الثاني أن كون الأخبار المنشورة لا تخلو من غلو كثير وأن العصابات هي التي اقترفت معظم الفظائع، فهو ما يعجز مثلنا عن تكذيبه قبل التحقيق، ونحن لم نرَ لسوء طالع الإنسانية ولسوء سمعة أوروبا أن أصوات الأحرار الذين طلبوا التحقيق وقعت في آذان مصغية مفتوحة، على أنَّا نعود فنذكر هنا الملاحظة التي قدمناها، وهي أن تلك العصابات مشت إلى تراقيه ومقدونيا بأوامر من حكوماتها التي جعلت لها مهمات معينة، وحكوماتها أعرف الناس بالفظائع التي ارتكبتها سحابة أعوام في القرى المسيحية نفسها لأجل النفوذ السياسي، فإن العصابات اليونانية كانت تفتك بالأهالي البلغاريين، والعصابات البلغارية كانت تجر ذيل الخراب والدمار على القرى اليونانية وهلم جرَّا، أفما كان الواجب الإنساني يقضي على تلك الحكومات التي رفعت الصليب يوم زحفها بأن تأمر زعماء تلك الشراذم القاسية بالوقوف عند حدِّها؟ لا ننكر أن ضبط زمامها صعب ولكن الحكومات كان يمكنها بما عندها من الحول والقوة أن تخفف كثيرًا من جرائمها وفظائعها، ولكنها لم تفعل، فلم يجد المنصفون لإهمالها مبررًا.
على أن اللوم ليس كله عليها بل يجب أن يلقى شطر كبير منه على أوروبا؛ لأنها لو تحركت للفظائع التي جرت في الشهرين الأولين، كما فعلت أيام ارتكبت الجنود العثمانية آثامها قبل معاهدة برلين في بلاد البلغار؛ لاضطرت الحكومات البلقانية إلى إيقاف تيار الهول، ولكان نصرها باهرًا نقيًّا من الشوائب والمخجلات.