فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 125

وكان سعيدًا أيما سعادة في ذلك اليوم، وجاء يتباهى علينا بكبرياء ويحرق ثيابه أمامنا كما كانوا يحرقون الساحرات في بلاد الغرب.

لم يكن منا أحد لديه ثيابًا إضافية، فجميع حاجياتنا تركناها في معسكرنا الخلفي «أبو العباس» حتى حاصرنا النهر فلم نستطع استجلاب شيء منها.

شعرنا بشيء من الغيرة من حالة الرفاهية التي هبطت فجأة على صاحبنا، ونحن نمارس رياضة الهرش العنيف فوق عضات القمل على أجسادنا المغطاة بالعرق والأتربة، وقبائل القمل المتوحش تمرح على جلودنا بلا كلل.

ولكن في حياة جماعية حميمة كالتي نحياها، يستحيل أن تحل المشاكل الفردية إلا بشكل جماعي. لذا فإن صاحبنا أبو كنعان لم تدم فرحته كثيرًا بانتصاره على القمل وارتداء ملابسه الجديدة. فعند جلوسنا للعشاء في نفس اليوم. نظر إلينا بانكسار وهو يمد يده إلى ظهره في الخلف، ويكحت جلده وهو يقول يائسًا: (يظهر أنه عاد مرة أخرى) . بالطبع ضحكنا بشماتة خفية حامدين الله على أننا نملك ملابس احتياطية في مكان ما من الجبهة. بينما خسر هو احتياطيه الاستراتيجي من الملابس.

لكمن الإخوة عبد القيوم في صباح اليوم الأول من الفتح أنعما عليه بملابس نظيفة أحضراها من القرية، وأعطياه إياها لأنه كان أكثرنا تبرمًا من وباء القمل.

لم أفوت فرصة يوم الفتح في بدء معركة جديدة ضد القمل فذهبت إلى الخط الأول من التلال، وانحدرت على الجانب الذي كان معاديًا. واختبأت خلف صخور منيعة، وبدأت فحص ثيابي بدقة مخرجًا أسراب القمل واحدة فواحدة ثم أهرسها بصخرة صغيرة فوق كتلة من الصخر الأسود الضخم. واستمرت المجزرة حتى الظهيرة، وقد اكتست الصخرة بالدماء وعدت منتصرًا. بقيت اليوم سعيدًا نشطًا، حتى وقت العشاء حين عادت أسراب القمل إلى مجاريها فكتمت خيبة أملي عن الجميع حتى لا تهبط روحهم المعنوية.

* مجموعتنا أبقت الراجمتين على أهبة الاستعداد لمدة يومين وليلتين بعد الفتح. وكنت أريد الاستمرار حتى سبعة أيام تحسبا لأي انقلاب مفاجئ في الموقف. ولكن الضغوط الداخلية حطمت عزيمتي، فألغيت الاستنفار وبدأنا الأعياد والاحتفالات بعد الجميع بيومين.

بعد حوالي أسبوع أردت العودة إلى مركز «أبو العباس» بعد هذا الانقطاع الطويل، وحتى أتخلص من جيوش القمل وأغير ملابسي وأستحم وأجد شيئصا معقولًا من الطعام بعد حالة تقشف ميداني شديد في جبهتنا الشرقية المحاصرة بطوفان نهر شمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت