لكن في اليوم الخامس للمعارك انفجرت أول طائرات العدو، فعادت الأمور داخل مجموعتنا إلى مجراها الطبيعي، وارتفعت المعنويات وعادت الثقة بالنفس.
حاجي إبراهيم كان يمارس عمله على أفضل صورة فكان دائم الاتصال لاسلكيًا مع مجموعات المجاهدين، سواء على قطع المدفعية أو في العمليات الأرضية أو البدو أو إخواننا من العرض في جماعة أبو الحارث.
لذا كان لدينا فكرة جيدة عما يدور حولنا على كافة محاور العمليات. فكنت يوميًا أنزل من مغارتنا «القريبة من قمة جبل الترصد» إلى الأسفل كي أطوف بمراكزنا القريبة، وأولها مغارة رئيسية للمبيت ولتخزين المهمات، وفيها شباب الإداريات والحراسات، ثم هناك راجمة «الجماعة الإسلامية» . فكنت أنقل إليهم أخبار العمليات الأرضية ونتائج اشتباكاتنا الليلة، وتكتيكات العدو فيها والتغييرات الجديدة التي سنجريها على عملنا طبقًا لتطورات عمل العدو، وأزمة الذخائر المزمنة لدينا.
كنت أزور الراجمة الأخرى التي يديرها «أبو همام» فكانت الرحلة إليها لطيفة جدًا إذا كانت على الأقدام عبر الجبل وليس رحلة دائرية بالسيارة. كنا نسير على امتداد السلسلة التي عليها الترصد ثم نهبط إلى الوادي خلفها عبر مدق جبلي متعرض من صناعة «مجموعات» المنطقة.
كان طاقم الراجمة يعيش في منطقة منعزلة يمر بها المجاهدون أحيانًا. فكنا نقي معهم وقتًا ريفيًا ممتعًا مع أكواب الشاي الأسود والخبز اليابس في وجبة ساحرة يعدها دوما ذلك الشاب الملائكي «أبو خبيب» . كنا نفتش معهم آثار القصف الجوي عليهم في الليلة السابقة، وبعضه كان قريبًا وخطيرًا. كنا نفحص الشظايا لنرى أنواع القذائف.
بعضها كان جديدًا حتى أننا أحصينا عدة أنواع من القذائف العنقودية ظهرت لأول مرة في المعارك.
أحد الصواريخ الضخمة التي تحمل الصواريخ الثانوية للعنقودي سقط قريبًا جدًا من الراجمة. كان جبلًا صغيرًا من الفولاذ.
كان أبو خبيب قريبًا من موضع الحادث ونجا منه بأعجوبة. فكان يضحك ويقول أنه سيبيع ذلك «الشيء» ويشتري بثمنه حلوى لأفراد الراجمة.
كان «أبو خبيب» محقًا فقد كان الطعام لدينا فقيرًا جدًا، نتيجة عزلتنا وحصارنا بالنهر الهائج. وأيضًا لأنه مع اشتداد المعارك وتوسع ساحة المعركة، يصبح الإمداد عسيرًا وقليلًا.