* كان المطار القديم ملحمة هائلة من الدمار وأظنها من أكبر مقابر الطائرات التي يمكن لأحد مشاهدتها. أكثر من سبعين طائرة معظمها طائرات نقل عسكرية موجودة على أرض المطار، وبعضها مخبأ حول المطار في أراضي زراعية، وبين الأشجار المحيطة به.
وهناك طائرات أخرى أعبطت لكنها تمكنت من العودة إلى مطار كابول. كان هناك مقبرة طائرات أكبر من تلك التي في خوست. ولكن معظمها طائرات أعطبت خارج كابول نفسها. أما مقبرة خوست للطائرات فهي مقبرة «محلية الصنع» بأيدي المجاهدين أنفسهم من مجموعات متنوعة -وأظن أن مجموعتنا العربية كمجموعة منفردة كانت صاحبة المركز الأول، أو أنها تتنافس على ذلك المركز مع مجموعة مفردة أخرى هي مجموعة البدو التابعة للشهد منان.
(( ملاحظة: مصادر أمريكية قالت بأن السوفييت خسروا في أفغانستان ألف وستمائة طائرة حديثة وأظنها مبالغة أمريكية تعودنا عليها. ولكن يمكن القول أن خسائر السوفييت في الطائرات لم تكن بسيطة كما أنها لم تكن بسبب صاروخ ستنجر كما أرادوا إيهام العالم ) ).
* بعد عدة أيام وفي لحظة من ضحى يوم مشرق شكلنا سلسلة بشرية يمسك بعضنا بأيدي بعض وتقدمنا أمام السيارة نسبر غور النهر ويحمي بعضنا بعضًا من الانجراف في مياهه السوداء الهادرة.
كان الشباب كلهم من الجدد، و «حاجي إبراهيم» يقود السيارة وبجانبه أبو كنعان. ولم يكن مناسبًا ترك الشباب يقومون بتلك المهمة الخطرة، ونحن كبار القوم في السيارة. فكان واجبي أن أنزل كي أتقدم هذا الطابور المغامر، سعد الشباب الصغار كثيرًا بهذه الشهامة، ولكنني لم أصارحهم بأنني غير سعيد وأنني أفعل ذلك مرغمًا. كنا في غمرات المياه الجارفة نتماسك بالأيدي ونتضاحك ويسقط بعضنا أو يطفوه فيحمله الماء، فنجذبه إلينا مرة أخرى. وبعد المغامرة الخطرة والضاحكة وصلنا بسيارتنا إلى الضفة الأخرى فتجمعنا حول سيارتنا مكبرين وكأننا فتحنا مدينة خوست مرة أخرى.
قرب معسكر أبو العباس ونحن نخترق بسيارتنا جدول المياه الرائقة العذبة في تعرجات الطريق بين الهضاب ظهر لنا ابني الصغير (عبد الله) الذي ما أن رآني داخل السيارة حتى جحظت عيناه، ولا إراديًا ضحك بشكل متحشرج وهو يناديني. فهمت فورًا أنه كان قد فقد الأمل في أن يراني مرة أخرى. لقد ظل في معسكر أبو العباس