فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 125

لمشاهدته. كان وحيدًا في ساحة شاسعة من الحشائش البرية، التي لا تخلوا من فرص الموت بالألغام أو القنابل العنقودية التي لم تنفجر. لم يكد الجحش يراني أتقدم نحوه حتى جاءني مسرعًا، وكأنه شعر بتعاطفي معه. كانت عيناه السوداء الواسعة مليئتان بالدموع وتظللهما رموش طويلة وتتدلى بينهما خصلة كبيرة من الشعر الأسود المتهدل ... نظر إلي بحزن ورجاء كأنه يقول لي: (أرجوك خذني معك) .

لا أخفي أنني شعرت تجاهه بشعور عاطفي، فوددت لو أنني أضفته إلى مجموعة أولادي في البيت. لكنني خشيت أن أنضم بذلك إلى قائمة أبطال الغلولز

فتركته آسفًا واستمرينا في المسير.

على الأرض قرب المطار رأيت قطعة بلاستيكية حمراء مثلثة الشكل ولها قائم حديدي قصير ومكتوب عليها حرف (إم) بالإنجليزية. رجحت أنها كانت إشارة على وجود حقل ألغام في مكان ما لا ندري أين هو - توقفنا وأخذت القطعة ووضعتها فوق هوائي سيارتنا لمحطم، فتحولت السيارة التعيسة إلى هيئة فخمة كأنها سيارة جنرالات. ولكن «أولاد حارتنا» في ميرانشاه لم يرق لهم الأمر وكأنهم خشوا علينا أن يصبنا الغرور فانتزعوا قطعة البلاستيك في أول زيارة لنا للمدينة.

كانت رحلتنا مفعمة بالمشاعر المتناقضة. ولكن الحدث الأسوأ كانت تعطل آلة التصوير التي معي بينما كنت ألتقط الصور داخل المطار فضاعت مني الكثير من المشاهد التي يمكن اعتبارها تاريخية.

في المطار أعجبني خندقًا، أظنه كان للضباط، وكان عبارة عن حاوية حديدية حفروا لها عميقًا في الأرض وغطوها بالأتربة والصخور. وقصوا لها بابين على حافتها الطولية، وكان الدخول والخروج من الحاوية الخندق يتم باستخدام عدة درجات محفورة في الأرض الطينية. في الحاوية كان هناك صفان من الأسرة الحديدية لم يتبق منه شيء، ولكن سمعنا بأخبارها.

الإخوة «المتربصين» الذين استولوا على المطار كدسوا كل الأسرة الحديدية والخزائن وكل شيء، وفي تلال رهيبة حتى يبيعونها بالجملة. حتى الطائرات بيعت لتجار الخردة ... وهكذا بيعت أفغانستان ... وبهذه البساطة عادت مرة أخرى إلى ما قبل العصر الحجري.

لم أشاهد المطار القديم إلا بعد ستة أشهر من فتح المدينة، لأني كرهت أن أرى باقي المدينة في حالة النهب الرهيبة تلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت