فهرس الكتاب
ثم أوردأيضًا مرة أخرى قصة الرجل الذي راشه الله مالًا وولدًا، وقال لأولاده: (لتفعلن ما آمرك به، أو: لأولين ميراثي غيرَكم، إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين ... ) .
ثم قال: فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو: شك، وأنه لا يبعثه.
وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عند إيمان بالله وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته.
فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد، من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل، فيغفر الله خطأه، أو: يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم ... وإذا كان تكفير المعيَّن على سبيل الشتم كقتله، فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟ فإن ذلك أعظم من قتله، إذ كل كافر يباح قتله، وليس كل من أبيح قتله يكون كافرًا).
ومما شدد فيه العلماء الحكم على المعين بدون ضوابط، لأن المرء قد يفعل الكفر، ولكننا لا نحكم عليه بالكفر عينًا، لوجود شبهة ما عنده، ولهذا السبب اشترطوا للحكم على المعين شرطين اثنين:
1 -الأول: وصف الإسلام الذي قام به، وهو وصف يوجب الرحمة ودفع العقوبة،
2 -والثاني: الوصف المخالف لأمر الشريعة، وهو وصف يوجب العقوبة والعذاب.
وقال الحافظ ابن حجر في: (الفتح) (1/ 105/رقم:29) ، أو: (1/ 128/رقم:29/ 1 - كتاب الإيمان، 21 - باب: كفران العشير، وكفر دون كفر) من مطبوعات: الدار العالمية للنشر والتوزيع: (قال القاضي أبو بكر بن العربي في:(شرحه) : مراد المصنف-محمد بن إسماعيل البخاري-أن يُبين أن الطاعاتِ كما تُسَمَّى إيمانًا، كذلك المعاصي تسمى كفرًا، لكن حيث يُطْلَق عليها الكفرُ لا يُراد الكفرُ المخرجُ من الملة).