فهرس الكتاب

الصفحة 609 من 846

والأحوال ومن غير المستغرب في تاريخ التشريعات الإنسانية أن يناقض آخرها أولها في بعض تفاصيلها وأن ينقلب المكروه إلى مستحب والمحظور إلى مباح والمستهجن إلى عادي).

يا شيخ ياسين: قديمًا قيل: (الفضل والحق ما شهدت به الأعداء) .

وما الفضل إلا ما أقرت به العدا * لصاحبه والشمس لا تَتَسَتَّرُ

وقد قال أحد كبار علماء السياسة الشرعية فتحي الدريني في كتابه: (خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم) (ص:370) : (إن النظم الديمقراطية الغربية مثلًا ليس في جوهرها إلا تعبيرًا عن تلك السياسة ومعلوم أن الديمقراطية-في أصلها-فردية النزعة عنصرية الاتجاه) [1] .

ومن حججهم الباطلة: قياسهم الديمقراطية الغربية الغريبة التي تبيح كل ما حرم الله على الشورى الإسلامية الشرعية، وهذا قياس أنجس من قياس الشيطان فاسمعوا الدكتور يوسف القرضاوي [2] وهو يدافع عن الديمقراطية الغربية فيقول:

(1) -انظر: (الدمغة القوية لنسف عقيدة الديمقراطية) (ص:22/ 25) ، و (حقيقة الديمقراطية) ، و (حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية) ، و (واقعنا المعاصر) ، و (خمسون مفسدة جلية من مفاسد الديمقراطية) ، و (الديمقراطية وموقف الإسلام منها) ، و (موقف أهل السنة والجماعة من العلمانية) ، و (كيف تفهم عقيدتك بدون معلم) ، و (القول السديد في معالم التوحيد) (100/ 124) ، و (إخبار الأولياء بمصرع أهل التجهم والإرجاء-جمعية الرفق بالطواغيت في قفص المحاكمة) والثلاثة الأخير لكاتب هذه الحروف.

(2) -أيها القرضاوي أما تعلم أن الديمقراطية الغربية التي تجادل عنها هي رأس الشرك السياسي وهي تعني: (أن يكون الحكم للشعب وأن الشعب هو مصدر السلطة التشريعية سواء كان هذا الحكم مخالفًا للدين أو: موافقًا له) .

وهذا شرك واضح لا نزاع فيه حتى قال المودودي وهو من جماعتكم في كتابه: (الإسلام والمدنية) عن الديمقراطية هي: (حاكمية الجماهير وتأليه الإنسان) .

ثم إن كلامك الغامض يا قرضاوي يذكرني بالمرشد العام لكم حامد أبي النصر حين قال: (نريدها ديمقراطية كاملة شاملة للجميع-كما في:"مجلة العالم"عدد:21/ 6/1986 م) وذكرت مجلة: (لواء الإسلام) (العدد:8 - السنة:45 بتاريخ:20/ 1990 م) مقالة بعنوان: (الإخوان والديمقراطية) وفيها قال عصام العريان: (إن موقف الإسلام معروف من الشورى والتعددية فالقانون الأساسي لجماعة الإخوان والذي ينظم العلاقة بين الجماعة يقر الشورى كما أقرها علماء الإخوان بل: ينظر الإخوان إلى نظام الحكم الدستوري على أنه أقرب الحكم إلى الإسلام، ولا يعدلون به نظامًا خاصًا كما تؤكد رسالة المؤتمر الخامس للإمام الشهيد حسن البنا-وكلمة الشهيد فيها كلام طويل ليس هذا محله-وأضاف: لماذا نؤكد ونصر على أن"الإسلاميين"معادون للديمقراطية؟ إن هذا افتراء عظيم، فنحن أول من ينادي بالديمقراطية ويطبقها ويذود عنها حتى الموت) !.

وهذه مجلة:"المجتمع"لسان حال (الإخوان) في الكويت تقول: (في افتتاحية العدد:768 - بتاريخ:27/ 5/1986 م) تحت عنوان عريض: (الديمقراطية في الكويت حق أم منحة؟) والمقال طويل ويكفينا عنوانه وزيادة على ذلك سوف ننقل فقرات تدل على المطلوب منها قولهم:(لم تكن المشاركة الشعبية في الحكم في الكويت منحة أو: هبة بل: كانت حقًا متفقًا عليه يوم أن تم اختيار أسرة الصباح الكرام ويوم أن دعا الشيخ عبد الله سالم الصباح الشعب لاختيار مجلس تأسيسي من أجل وضع الدستور الذي يحدد الحقوق والواجبات.

لذلك جاء الدستور الكويتي لكي ينظم الحقوق في مواد كثيرة أهمها اثنان لا يجوز التفريط فيهما وهي المادة: الرابعة، والمادة: السادسة، وقد نظمت المادة: الرابعة طريقة تولي الحكم في الكويت كما نظمت المادة: السادسة تحديد مَنْ هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، وتم تحديد الاتفاق بصورة عملية حديثة وغير قابلة للجدل. ومنذ ذلك الوقت والديمقراطية الكويتية أصبحت حقًا دستوريًا بعد أن كانت حقًا عرفيًا).

وفي مقال آخر طالعتنا المجلة نفسها بافتتاحية قالت فيها: (حتى لا نقع في المحظور فنكون شركاء لله) وخلاصة المقال: أن الديمقراطية بوضعها الحالي تعتبر إشراكًا مع الله في التشريع وإليكم بعض ما قال: (يحسن بنا مرشحين وناخبين أن نضع نصب أعيننا أن نكون حذرين ويقظين فالحياة النيابية على جلالها وأهميتها فيما إذا اعتقدنا أن من حق النواب أن يشرعوا ويسنوا قوانين حسبما تتوصل إليه عقولهم وتجاربهم بعيدًا عن منهج الله الذي ارتضاه لعباده ثم قالوا-في الجاهلية لم تكن السلطة السياسية المنظمة معروفة كانت هناك مجالس قبلية وكانت هناك دار الندوة يجتمع فيها القبائل يتشاورون في تدبير أمورهم لقد كانت الحياة السياسية آنذاك في المصطلح الحديث(حياة ديمقراطية) وعند ما دعاهم الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، لحكم الله وعقيدة التوحيد، قفَّ الملأ من قريش يحرضون الناس على النبي المرسل فسماهم القرآن شركاء والشرك سماه القرآن ظلمًا عظيمًا لأنه اعتداء على حق الخالق في التشريع).

قلت: الديمقراطية في الكويت وفي غير الكويت المراد بها إعطاء ممثلي الشعب الحرية في التشريع دون الرجوع للشريعة في صغيرة أو: كبيرة وهي التي نصت عليها المادة: السادسة من الدستور الكويتي حيث جعلت الشعب مصدر السلطات التشريعية ولكن كيف يجعلها الكاتب هنا شركًا واعتداء على حق الله في التشريع ويجعلها في المقال السابق حقًا لا يجوز التفريط فيه وغير قابل للجدل والنقاش؟ لم أجد لهذه الذبذبة مسوغًا إلا أن يكون هذا الشرك أيضًا قد صار عندهم قديمًا وانقلب إلى حق مثل شرك الشيعة والصوفية والملحدين في الصفات التي صارت قضايا قديمة وهو فعلًا قد مضت عليه المدة التي حددها القانون الفرنسي في سقوط العقوبة إذ أن المقال الأخير الذي كانت فيه الديمقراطية شركًا كان بتاريخ 17/ 2/1981 م في العدد رقم:516 وأما المقال الذي أصبحت فيه عندهم حقًا لا يجوز التفريط فيه فهو بتاريخ:27/ 5/1986 م عدد رقم:769 فيكون فعلًا قد مرت عليه أكثر من خمس سنوات وسقط مفعوله ومضى وقته ثم أدخلوا عليه أساليبهم الأدبية فصار حقًا لا يجوز التفريط فيه!!

قال الأستاذ مصطفى السباعي المرشد العام للإخوان في سوريا سابقًا وهو من رفاق حسن البنا ومن تلاميذه خاض معركة عام 1950 م تسمى معركة الدستور وكان قد طالب بأن يكون دين الدولة الرسمي هو الإسلام فقامت قيامة الكفرة الذين يضمهم المجلس من النصارى والعلمانيين والقوميين فرد عليهم ردودًا ميع فيها الإسلام تمييعًا لا مثيل له وهذا حال كل من يدخل هذه المجالس الشركية فإنه لا يستطيع أحد أن يتكلم إلا في ظل (الصنم) المسمى الدستور، المهم بعد أن قام عليه المذكورون أعلاه أصدر بيانًا طويلًا قال فيه: (وحيث إنهم نزلوا يدلون بحججهم وآرائهم أصبح من واجبنا أن ندلي بحججنا وآرائنا ونطلع الأمين العام على حقيقة فكرتنا وأن نناقش أدلة المخالفين ونفندها والأمر بعد ذلك كله للشعب هو مصدر كل سلطة وسيادته هي السيادة الحاكمة التي تتمثل في مجلسه التأسيسي وحكومته الدستورية) .

قلت: بل لله الأمر من قبل ومن بعد والحكم لله والشرع لله وآمنا بالله وحده وكفرنا بحاكمية الشعب وحكوميته الدستورية وقال أيضًا: (ونحن لا نريد بهذا النص أن نلغي البرلمان ونمحو القوانين. كلا .. كونوا مطمئنين سيبقى لنا مجلسنا ونوابنا وقوانيننا وأنظمتنا ولكن مع سمو الروح ونظافة اليد وعيش الإنسان الكريم-وقال أيضًا:(وخلاصة القول أننا لا نريد انقلابًا في قوانينا الحالية وإنما نريد التقريب بينها في التشريعات المدنية وبين نظريات الإسلام الموافقة لروح هذا العصر ولأصدق النظريات الحقوقية السائدة فيه فإذا اتفق التشريع الإسلامي عن النظريات الحديثة فهل تجدون حرجًا في الأخذ به تراثًا قوميًا عربيًا تعتزون به وبتفاخرون به) . راجع: هذا البيان في كتاب مصطفى السباعي بعنوان: (رجل فكرة وقائد دعوة) (ص:93/ 98) ، إلى غير ذلك من الكفر البواح والشرك الصراح فلا يلام بعد هذا القرضاوي لكونه تربى على يد هؤلاء البرلمانيين والديمقراطيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت