ثانيًا: قد كان نبينا محمد-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أشد حياء من العذراء في خدرها، ومع بعثه بأعظم رسالة للعالَمين، وفيها أحكام لأدق تفاصيل الحياة، إلا أنه في الأبواب التي لها تعلق بالعورة لا نراه إلا عفَّ اللسان، يستعمل أرقى عبارة، ويبتعد عن الفحش في الكلام، ويوصل المقصود بما تحتويه لغة العرب الواسعة، وذلك في أبواب متعددة، مثل: قضاء الحاجة، والاغتسال، والنكاح، وغير ذلك، وقد تنوعت عباراته حتى إن الرجل ليستطيع التحدث بها أمام النساء، ولعلَّنا نكتفي بمثال واحدٍ يؤكد ما سبق ذِكره، وإلا فالأمثلة كثيرة جدًّا:
عَنْ عَائِشَةَ-رضي الله عنها-أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ-عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا) ، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: (تَطَهَّرِي بِهَا) قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي) ، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ).
رواه البخاري (رقم:308) ، ومسلم (رقم:332) .
ومعنى: (فِرصة من مِسك) ، أي: قطعة صوف، أو: قطن عليها ذلك الطيب المعروف.
وفي رواية للبخاري (رقم:309) :ع َنْ عَائِشَةَ-رضي الله عنها-أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ-: كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلاثًا) ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ-اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ: قَالَ: (تَوَضَّئِي بِهَا) فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ-.
ثالثًا: بخصوص الجواب عن الحديث المذكور في السؤال: فإننا ننبِّه على أمرين قبل ذِكر تفصيل الجواب:
الأول: أن هذا اللفظ الوارد في الحديث لم يستعمله النبي-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ-في حياته، وهو لم يكن لابتداء الكلام به، بل: هو عقوبة لقائله، أي: أنه شُرع ردًّا على مرتكبٍ لمحرَّم وهو التعصب الجاهلي.
الثاني: أن ما يوجد في شرع الله تعالى من عقوبات وحدود إنما يراد منها عدم وقوع المعاصي والآثام التي تُفسد على الناس حياتهم، فمن رأى قطع اليد عقوبةً شديدة فليعلم أنه بها يحفظ ماله من أهل السرقة، ومن استبشع الرجم