فقد جاء عن خير البشر: «من علم علمًا نافعًا وكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» ، وأن لا يوصله إلى غير مستحقه فقد جاء في كلام النبوة القديمة: «لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير» ؛ أي: لا تؤتوا العلوم غير أهلها، وأن يُثبت في الكتب لمن يأتي بعده ما عثر عليه بفكره واستنبطه بممارسته وتجاربه مما لم يسبق إليه كما فعل من قبله فمواهب الله تعالى لا تقف عند حد، وأن لا يسيء الظن بالعلم وأهله بفعله مما لا يليق بالعلماء فما أقبح التخليط بالأطباء.
التاسع: أن لا يعتقد في علم أنه حصل منه على مقدار لا يمكن الزيادة عليه.
فذلك طيش يوجب الحرمان -نعوذ بالله منه- فقد قال سيد
العلماء وخاتم الأنبياء: «لا بورك لي في صبيحة لا أزداد فيها علمًا» ، لما أدبه ربه بقوله تعالى {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114] ،وقوله تعالى {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76] .
العاشر: أن يعلم أن لكل علم حدًّا لا يتعداه فلا يتجاوز ذلك الحد، كما يقصد إقامة البراهين في علم النحو ولا يقصر بنفسه أيضا عن حده فلا يقنع بالجدل في علم الهيئة.
الحادي عشر: أن لا يدخل علمًا في علم، لا في تعليم ولا في مناظرة، فإن ذلك مشوش وكثيرا ما غلط فاضل الأطباء جالينوس بهذا السبب.
الثاني عشر: أن يُراعَى حق أستاذه في التعليم فإنه أب، ولقد سئل الإسكندر عن تعظيم معلمه أكثر من والده فقال:"هذا أخرجني إلى دار الفناء ومعلمي دلني على دار البقاء"، والرفيق في التعليم أخ والتلميذ ولد ولكل حق تجب رعايته.
واعلم أن على كل خير مانعًا، فعلى العلم موانع وعن الاشتغال به عوائق منها الوثوق بالزمان وانفساح الأمل في ذلك، ولا يعلم الإنسان أنه إذا انتهز الفرصة وإلا فاتته وليس لفواتها قضاء، فإن أسباب الدنيا تكاد تتزايد على اللحظات من ضروريات وغيرها وكلها شواغل، والأمور التي يتم بمجموعها التحصيل إنما تقع على سبيل البخت، وإذا
تولت فهيهات عود مثلها.
ومنها الوثوق بالذكاء، وأنه سيحصل الكثير من العلم في القليل من الزمان متى شاء فتخترمه الشواغل والموانع، وكثير من الأذكياء فاته العلم بهذا السبب.