وأما القول الثاني فهو يوافق قول المعتزلة في نسبة الأفعال للعباد من حيث الخلق والاختراع، وربما يرجع هذا للصلة القوية بين الزيدية والمعتزلة، والتي بدأت منذ تأسيس هاتين الفرقتين بالعلاقة بين الإمام زيد وواصل بن عطاء.
وربما أنهم نسبوا الأفعال للعباد كرد فعل على شيوع عقيدة الجبر التي آزرها الأمويون وأيدوها ليخمدوا نار الثورة ضدهم، والزيدية قد وقفت موقف المعارضة والمقاومة لهم، وفي وجه الأفكار التي أشاعوها ليثنوا الناس عن الثورة، وهذا القول- نسبة الأفعال للعباد- يتفق مع طبيعة الزيدية الثورية، بينما عقيدة الجبر لا تناسب مبدأ الخروج على أئمة الجور والظلم [1] .
رابعًا: موقفهم من الصحابة:
يتبين مما سبق أن موقف الإمام زيد من صحابة رسول الله يختلف اختلافًا كليًا عن موقف الرافضة، حيث إنه أقر بإمامة أبي بكر وعمر كما لم يُكفِّر أحدًا من الصحابة، بل قال فيهم خيرًا متبعًا والده الإمام علي بن الحسين الذي اجتمع بغلاة الشيعة فذكروا أبا بكر وعمر، فنالوا منهما. فقال لهم علي بن الحسين: أخبرونا من أنتم: من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله؟ قالوا لا. قال: فأنتم من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم؟ قالوا لا. فقال لهم: أما أنتم فقد أقررتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا هؤلاء، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله فيهم: «وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا» [2] . فقوموا عني لا بارك الله فيكم، أنتم مستهزئون بالإسلام، ولستم من أهله" [3] ."
لقد كان موقف الإمام زيد رحمه الله كموقف أبيه عندما تحاور مع الشيعة من أهل الكوفة في الوقت الذي كان يتربص به يوسف بن عمر والي العراق وكان بحاجة إلى رجل يقف معه فقالوا له:"ما قولك يرحمك الله في أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحدًا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلاّ خيرًا، قالوا: فلم تطلب إذًا بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرًا، قد وُلوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم نقاتل هؤلاء إذًا؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه وإحياء السنن وإماتة البدع،"
(1) انظر: الفرق الكلامية الإسلامية، ص 173.
(2) سورة الحشر: 10.
(3) تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 652.