فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 193

إن الإنسان حر مختار يفعل ما يريد، ويقع في ملك الله تعالى ما لا يريد، ولم يقدر الله في الأزل شيئًا بل الأمر أُنف، أي يقدر الله الشيء وقت وقوعه [1] .

نظر الإمام زيد إلى هذه الآراء فوجد الأول- قول الجبرية الجهمية - يؤدي إلى اسقاط التكليف، إذ لا تكليف إلا مع الاختيار، ووجد الثاني- قول المعتزلة- يُنفي علم الله الأزلي، وتقديره الأزلي، ويخالف نصوص القرآن الكريم القاطعة مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [2] .

وقوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [3] .

واتجه بعد النظر إلى رأي وسط لا يهدم التكليف ولا يعطل صفات الذات العلية، فقرر وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، واعتبر الإنسان حرًا مختارًا في طاعته وعصيانه، وأن المعصية ليست قهرًا عن الله تعالى، فهو يريدها وإن كان لا يحبها ولا يرضاها، وبذلك فصل بين الإرادة، والمحبة والرضا، فالمعصية تقع من العباد في دائرة قدرة الله تعالى وإرادته، ولكنه لا يحبها من عبده ولا يرضاها، فإن الله لا يرضى لعباده الكفر فالإنسان فيما يفعل، يكون فعله بقوة أودعها الله تعالى وبإرادته، ولكنه لا يحبها من عبده، التي بها يعمل مريدًا مختارًا، طائعًا أو عاصيًا.

وهذا الرأي من الإمام زيد يفترق عن رأي المعتزلة في نقطة جوهرية، هي أن المعتزلة يرون أن إرادة الله تعالى وأمره متلازمان، فإذا أمر بأمر فعمل العبد على خلافه، فقد وقع الأمر على خلاف إرادة الله تعالى، وعلى ذلك تكون أفعال العصاة بغير إرادة الله تعالى، ولذلك جعلوا العباد خالقين لأفعالهم [4] .

ولكن الزيدية بعد الإمام زيد اختلفوا في أفعال العباد على قولين كما يذكر الإمام الأشعري: الأول:"إن أعمال العباد مخلوقة لله، خلقها وأبدعها واخترعها بعد أن لم تكن فهي محدثة له مخترعة. والثاني: إنها غير مخلوقة لله؛ ولا محدثة له مخترعة، وإنما هي كسب للعباد أحدثوها واخترعوها وأبدعوها وفعلوها" [5] .

ويُلاحظ أن الرأي الأول قريب من موقف السلف من أفعال العباد والذي يؤكده الإمام الطحاوي بقوله:"وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد" [6] .

(1) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص 493، تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 672.

(2) سورة النساء: 176.

(3) سورة الرعد: 8.

(4) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 672، شرح الطحاوية، ص 493 وما بعدها.

(5) مقالات الإسلاميين 1/ 148.

(6) شرح العقيدة الطحاوية، ص 493.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت