فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 193

تأثرت الزيدية بآراء المعتزلة ومن ذلك موقفهم من مرتكب الكبيرة، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، ويذكر الإمام الأشعري إجماع الزيدية على ذلك بقوله:"وأجمعت الزيدية أن أصحاب الكبائر كلهم معذبون في النار خالدون فيها، مخلدون أبدًا، ولا يخرجون منها ولا يُغيَّبون عنها، وأجمعوا جميعًا على تصويب علي بن أبي طالب في حربه، وعلى تخطئة من خالفه" [1] .

ويذكر الشيخ أبو زهرة موقف الزيدية من مرتكب الكبيرة بقوله:"والزيديون يعتقدون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، ما لم يتب توبة نصوحًا وهم قد نهجوا في ذلك منهج المعتزلة، وذلك لأن زيدًا كانت له صلة بواصل بن عطاء رأس المعتزلة" [2] .

ولكن نجد الإمام أبا زهرة ينفي عن الإمام زيد القول بالتخليد في النار مع أنه يقول بالمنزلة بين المنزلتين ويتأثر في هذا بالمعتزلة فيقول:"وقال المعتزلة: إنه في منزلة بين المنزلتين، وأنه مخلد في النار ما لم يتب. وقد وافقهم الإمام زيد في أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين ولكنه ليس مخلدًا في النار بل يعاقبه الله تعالى بمقدار ما أذنب" [3] .

وبهذا يتبين أن الزيدية قد خالفوا الإمام زيدًا في قولهم بتخليد مرتكب الكبيرة في النار ما لم يتب؛ لأنه لم يقل بالخلود بل قال بأنه يعاقب بقدر ذنبه.

والحق في مرتكب الكبيرة هو ما ذكره الإمام الطحاوي بقوله:"وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في كتابه: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [4] ، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته" [5] .

ثالثًا: أفعال العباد:

لقد جرى في عصر الإمام زيد الكلام في القدر ثم الكلام في الجبر والاختيار، وظهرت فرق تتجاذب النزعتين، فكانت الجهمية ترى أن الإنسان ليس له إرادة حرة مختارة، بل هو في أفعاله كالريشة في مهب الريح، فأفعاله كلها اضطرارية، ونسبتها إليه مجازية وليست على الحقيقة، وقابلتهم المعتزلة القدرية الذين ينفون القدر، ويقولون

(1) مقالات الإسلاميين 1/ 149، وانظر: الفرق بين الفرق، ص 34.

(2) تاريخ المذاهب الإسلامية: محمد أبو زهرة، ص 46 - 47.

(3) المرجع السابق، ص 671.

(4) سورة النساء: 48، 116.

(5) شرح العقيدة الطحاوية، ص 416 - 417.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت