ولو بُذلت للعيون لتجود بما جادت به عينا أبي محمد؛ لما استطاعت أن تسخو بمثلها، فليست النائحة الثكلى كالمستأجرة.
إن كنت تنوح يا حمام ألبان للبين *** فأين شاهد الأحزان
أجفانك للدموع أم أجفاني *** لا يقبل مدع بلا بيان
إنها لحظات صدق عالية، وشفافية عالية، فاض بها قلبه فسحّت عيناه حزنًا وألمًا، وحسرةً على وقوع رفيق دربه، وأنيس قلبه، وصاحب سره، الجبل الأشم (( أبو عبد الله الراوي ) )في الأسر، فلطالما سارا سويًا على هذا الدرب، وكانا إخوة متحابين لا يكادان يفترقان، براءة في الأخوة وطفولة في المحبة وعذوبة في المودة.
عندما يترائيا لك أول ما يتبادر لذهنك قوله -صلى الله عليه وسلم- في السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: (رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) .
عينان لم تطعهما الكرى منذ ثلاث *** ولم أتلذذ بطعام منذ ذاك
قالها أبو محمد، فحاولت أن أخفف عنه وأسليه بما فتح الله علي، فاستأذن للخروج فقمت وعانقته مودعًا، ولكنه كان ليس كأي وداع؛ وداعٌ أخذ معه قلبي وتركني حزينًا مهمومًا، حُبست الدمعة في عيني، شاطرته الشعور وعشت معه اللحظات الأليمة، لأني طالما عشت هذه اللحظات، وأصبحت محطات في قطار حياتي ..
فمنذ 14 عامًا وأنا أودع الأحباب ..
وكم من حبيب جائني خبر قتله في ثغر من الثغور ..
وكم من شقيق وقع في أسيرًا بين يدي كفور ..