فهرس الكتاب
وفي الإنفاق؛ أنفقوا إنفاق من لا يخشى الفقر في دنياه، ويبتغي رضى مولاه.
وأما في الجهاد؛ فالحديث ذو شجون، فإنهم لما عاينوا أن له فضلًا لا يضاهى، وخيرًا لا يتناهى، سمت نفوسهم إليه، وعلت هممهم لتحصيله، فشمروا للجهاد عن ساق الاجتهاد، ونفروا لمحاربة أهل الكفر والعناد، فجهزوا جيوشهم وسراياهم، وبذلوا في سبيل ذلك أموالهم وعطاياهم، وباعوا نفوسهم لخالقها وباريها، فجازاهم بذلك من الجنان أعاليها.
وقد حفظ لنا تاريخنا كثيرًا من تلكم المواقف والقصص التي تدل على علو همة القوم وسمو مطلبهم.
ففي محنة مانعي الزكاة؛ ادلهم الخطب واشتدت المحنة، والتبس الأمر حتى على كبار الصحابة، فوقف الصديق رضي الله عنه لها بالمرصاد وقال: (والله لا أفرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من فرق بينهما) ، قال عمر رضي الله عنه: (فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشدا) .
وعن أبي رجاء العطاردي قال: (دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين، ورأيت رجلًا يقبل رأس رجل وهو يقول؛ أنا فداؤك لولا أنت لهلكنا، فقلت؛ من المُقَبِل ومن المُقَبّل؟ قالوا؛ عمر يقبل رأس أبي بكر في قتاله أهل الردة إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين) .
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (توفي النبي صلى الله عليه وسلم فنزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال لهاضها، اشرأب النفاق بالمدينة، وارتدت العرب، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبو بكر بحظها وفنائها في الإسلام) .
يومها وقف الصديق - فداه أبي وأمي - كالجبل الأشم سدًا منيعًا أمام تيار الردة، صارخًا من أعماق قلبه متوكلًا على ربه قائلًا: (قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص الدين وأنا حي؟!) .