فهرس الكتاب
شُعثٌ شعورهم، غُبرٌ رؤسهم، قليلة أعدادهم، ضعيفة عُددهم؛
لكن ... قلوبهم ممتلئة بمحبة هذا الدين، ونفوسهم تواقة لجوار رب العالمين، صدقوا مع الله فصدقهم، فأذاقوا عُبّاد الصليب ألوان الهزيمة، وأصناف العذاب، وحطموا هيبتهم، وكسروا شوكتهم، وأجرى الله على أيديهم من الكرامات ما لم يعد يخفى على كل ذي عينين.
ولما رأى بنو الأصفر حجم المأزق الذي تورطوا فيه، وعِظم خسائرهم وضحاياهم، سارعوا لتشكيل قوات الجيش والحرس الوثني، لتكون الردء الحامي للصليبيين، واليد الضاربة على المجاهدين، فقامت سوق الابتلاء والتمحيص من جديد، فاستجاب لندائهم من خست به همته وباع دينه بآخرته، فكان حكم المجاهدين فيهم واضحًا بينًا لا لبس فيه، وهو وجوب قتالهم وجهادهم لارتدادهم عن الدين وموالاتهم للصليبيين، والتبس أمر هؤلاء على بعض من يوصفون بـ"العلماء"فضلًا عن غيرهم من العامة الدهماء، فأصدروا فتاويهم بعدم جواز قتال هؤلاء، حفاظًا على حرمة"الدم العراقي"وعصمة أهله!
وهذه والله أزمة حقيقية تعيشها كثيرٌ من الجماعات العاملة للإسلام في هذا الزمان، ألا وهي؛"أزمة التفريق بين العدو الخارجي والعدو الداخلي".
فالعدو الخارجي تُستنهض الأمة لقتاله، وتُستنفذ الطاقات لجهاده، حتى إذا ما خرج من بلادنا وأناب عنه المرتدين من بني جلدتنا، يأتمرون بأمره، ويحكمون بحكمه، ويضربون بسوطه؛ حرُم على الأمة قتالهم وجهادهم، ولو اشتد بلاؤهم.
فإذا كان العدو ذا بشرة شقراء، وعيون زرقاء؛ وجب قتاله، أما إن كان العدو أسمر البشرة أسود العينين؛ فهذا لا يحل قتاله.
فهذا لعمر الله قتال"الوطنيين"، لا قتال الموحدين، وقتال من يريد العاجلة، لا من يروم الآخرة، {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر:43] .