فهرس الكتاب
والناس يمرون منهزمين وراء النبي صلى الله عليه وسلمن ولا ترس معي، فرأى رجلًا موليًا ومعه ترس، فقال له؛"ألق ترسك إلى من يقاتل"، فألأقاه، فأخذته، فجعلت أترّس به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل لو كانوا رجّالة مثلنا أصبناهم إن شاء الله، فيقبل رجل على فرس فيضربني، وتترست له، فلم يصنع شيئًا، وولّى، فأضرب عرقوب فرسه فوقع على ظهره، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح:"يا ابن أم عمارة! أمك أمك")، قالت: (فعاونني عليه حتى أوردته شعوب) -تريد أنها قتلته-
وكانت رضي الله عنها لا ترى الخطر يدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تكون سداده وملأ لهوته، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما التفت يمينًا ولا شمالًا إلا وأنا أراها تقاتل دوني) .
وشهدت رضي الله عنها اليمامة، فقاتلت حتى قطعت يدها وجرحت اثنا عشر جرحًا.
إن المرأة المجاهدة هي التي تربي وليدها؛ لا ليعيش، بل ليُقاتل، ثم ليُقتل، ثم ليعيش فيكون حرًا ... ما أعظمها من همة، وما أسماها من نية.
ذكر أهل السير؛ أن خالدًا بن الوليد رضي الله عنه بلغه أن جيشًا كبيرًا من الروم قد نزلوا بأجنادين من جنوب فلسطين، وأن نصارى العرب وأهل الشام قد سارعوا بالانضمام إليه، فخرج خالد فصفّ قواته، وأقبل يُحرضُ جنده ويُحمسهم، وأقام نساء المسلمين خلف الجيش يبتهلن إلى الله ويدعونه ويستغثنه، وكلما مر بهن رجل من المسلمين دفعن إليه أولادهن وقلن له: (قاتلوا دون أولادكم ونسائكم) ، كما أمرهن خالد أن يُحرمن على الرجال ما كان مباحًا لهم معهن، ثم حمل خالد وصحبه على الروم، فما صبر الروم لهم فواقًا، وانهزموا هزيمة شديدة، وقتلهم المسلمون كيف شاءوا، وأصابوا معسكرهم وما حوى.
الله ... الله يا حفيدات صفية وأسماء والخنساء.
ألا ترين أن الأمة تُنحر من الوريد إلى الوريد، وتُستباح من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها؟