فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 943

حاله والتزامه بمنهجهم، ومنشأ هذه العداوة وسببُها؛ أن مجرد رؤيةِ أهل الباطل للحق، وإن كان الحق في أضعف حالاته وأعجزها -تذكر أهل الباطل بباطلهم، فتقطع عليهم نشوتهم، وتُنغصُ عليهم تمتعهم بشهواتِهم، وتوقفهم مع أنفسهم لتفضح هذه الأنفس، وتبينَ ضعفها، وزيف قوتها وذلتها، حيث غدت عبدة ذليلة مهانة لشهواتها وأهوائها.

وقال تعالى: {قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:59] ، فنقمتهم على المؤمنين، كما هو صريحُ الآية، لا سببَ لها غيرَ قيامِ المؤمنين بدينهم، وتمسُّكِهم به، مع عدم قدرتهم على فعل الشيء نفسه؛ لفسقهم المانع لهم من ذلك، وهذا مما يملأُ قلوبَ أهل الباطل حقدًا وغيضًا تتقطع معه قلوبهم، وتتحرق معه نفوسهم، حيثُ هذا العلو والسمو والذي لا يستطيعونه يذكرهم ويشهد عليهم بانحطاطهم وسفلهم، فيودون أن لو فتن أهل الحق عن حقهم وشاركوهم في باطلهم. كما قال العليم بمكنون صدورهم: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النساء:89] ، ولذا فإن أهل الباطلِ لا يجدون أمامهم فرارًا مما يجدون غير التمادي في سياسة البطش والتنكيل والتشريد والتقتيل، غير مراعين لحرمة ولا حافظين لعهدٍ ولا ذمة تشفيا من الحق وأهله وإرضاءً لأنفسهم المهزومة، وانتصارًا لها.

وإذا كان قد سبق في قضاء الله معاداةُ الباطل للحق وأهله وتسلطهم عليهم بأنواع الأذى وألوان العذاب؛ فقد أمر سبحانه أولياءه بإشهار سيف العداوة والبغضاء في وجه الباطل وأهله، ورفعِ لواء البراءَةِ من الكفر وحزبه.

قال سبحانه: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4] .

قال الشيخ حمد بن عتيق -رحمه الله- (وهاهنا نكتةٌ بديعة في قوله تعالى إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت