فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 943

جميع جوانبه).

والحديثُ ظاهر الدلالة بأنه صلى الله عليه وسلم كان ينشد السيف الذي ينصر به دعوته، بل لما أعلن القوم استعدادهم أن ينصروه صلى الله عليه وسلم من العرب دون الفرس؛ رفض صلى الله عليه وسلم مبايعتهم مصرًّا أن تكونَ النصرة بالسيف مطلقة على كل من قد يقف أمام الدعوة من عرب أو عجم.

ألا فليتأمل الذين يريدون نصرة الدين بقتال الصليبيين دون قتال أعوانهم من بني جلدتنا من المرتدين، ألهم في هذه النصرة حظٌّ أو نصيب؟.

إنما أمر الله سبحانه وتعالى من البراءةِ من المشركين والعداوةِ للكافرين له صور متنوعة، وأشكال متعددة، لكن أعظم مظاهره وأبرزَ معالمه على الإطلاق هو القتالُ والجهادُ في سبيلِ الله، ولكنه شاقٌ عسير على النفوس، ولذلك لم يتصدّ لهُ إلا طائفةٌ من أهل الحقّ اصطفاها الله سبحانه وتعالى.

هذه الطائفة خطت لنفسها المضي في طريقٍ تقاعسَ عنه الجمُّ الغفير، وأحْجَمَ عن سلوكِ دربه الكثير، طريقٍ مكروهٍ لقلوب البريات، محبوبٍ لخالق الأرض والسماوات، طريقٍ قامت أرضهُ على الجماجم والأشلاء، ورُويت تربته بطاهر الدماء، طريقٍ بدايته آلام ومشاق وأحزان، وخاتمته نعيمٌ وراحةٌ وغُفران، طريقٍ السير فيه عظيمُ التكاليف؛ مفارقةٌ للأهل والأوطان، هجر للأحباب والخلان، هجرة للواحد الديان، طريقٍ كَثُرَ عنه المخذلون، وعَظُم فيه المخالفون، طريقٍ مُمِحِّصٍ للقلوب، وفاضحٍ للنُّفوس.

إنّه طريقُ القتال، وسبيلُ النِّزال، يا لَهُ من طريق موفّقٌ من هُدِي لسلوكه، محرومٌ والله من ضلَّ عن سبيله.

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزالُ طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت