فهرس الكتاب
فتأمل كيف أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام ومن ثم أمره بالقتال تربية له على التضحية والفداء لهذا الدين، ولم يأمره بالرجوع إلى المدينة حتى يتربى كما يزعم هؤلاء، وهذا في فرض الكفاية وجهاد الطلب، فكيف بالعدو الصائل وجهاد الدفع؟.
إن العلم الشريف عند أهل الطائفة المنصورة ليس بحفظ المتون، وجمع الفنون، وكثرة التصنيف، ومجالس الوعظ والتدريس والإفتاء مع ترك القيام لله بالأمر الذي يحبه ويرضاه من صدع بحق، وأمرٍ بمعروف ونهي عن منكر، وغضبٍ صادق إذا انتُهكتْ محارم الله، وإعلاءٍ لكلمةِ الله دعوة وجهادًا، فمن كان حظه من العلم ما ذكر، مع تضييعه لواجبات الدين الكبار إيثارًا للسلامة أو إخلادًا للراحة والدعة، أو حبًّا للدنيا وتثاقلًا للأرض، أو ركونًا للذين ظلموا؛ فقد خان الرسالةَ، وضيع الأمانة، ومن ثمّ خرج عن حد العلم الشريف ورسمه، وفارق تلك القافلة المباركة؛ قافلة العلم الشريف التي يقف على رأسها الأنبياءُ والمرسلون، فأما أن ينتظمه رسمهم أو يشمله حدهم أو أن يجمعه وإياهم وصفٌ واحد، ولمثل هذا يقال: لست والله عالمًا أو حكيمًا، إنما أنت تاجرٌ في العلوم، فبغير القتال تبقى الفتنة، وهيهات أن يكون الدين كله لله، ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون.
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله: (وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرضٌ آكد ولا أولى بالإيجاب من الجهاد، وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الإسلام، وأداء الفرائض، وفي ترك الجهاد غلبة العدو، ودُروسُ الدين وذهابُ الإسلام) ا. هـ.
فإذا قعد أهلُ الحقِّ عن نصرة الحق، ودفعِ الباطل، وإزالتِهِ بسيوفهم، جهلًا منهم بمعاني الحق ومقتضياته ولوازمه، أو غفلة منهم عن حقيقةِ الصراع، وعن طبيعة الباطل وصفته، أو استسلامًا لقراءَةٍ فاسدةٍ في نواميس الكون وسننه الإلهية، أو خداعًا بأوهام وأمانيَّ باطلة، أو خضوعًا لمتاهاتٍ نظرية، وفلسفاتٍ جدلية، وأطروحاتٍ إنشائية، تدورُ في حَلَقة مفرغة تبدأ من حيث انتهت، وتنتهي من حيث بدأت، أو خوَرًا وضعفًا، وعجزًا عن القيامِ بالقتال