فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 943

وتحمُّلِ أعبائِه -فإن سننَ الله لا تُحابي أحدًا أيًّا كان، ومن ثم فليس غير الذل والهوان وفتنة المسلمين عن دينهم مع تبدُّل أحكام الدين وطمس معالمه، وتغيير حقائقه والتلاعب بها، وغير ذلك من العقوبات القدرية التي تنزل بمن خذل الحقّ وأسلمه، وهذا فضلًا عن وعيدِ الآخرة.

قال تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:39] .

قال ابن العربي رحمه الله: (هذا تهديدٌ شديد، و وعيدٌ مؤكد في ترك النفير، فوجب بمقتضاها النفيرُ للجهاد، والخروجُ إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا، فالعذاب الأليم هو الذي في الدنيا لاستيلاء العدو على من لم يستول عليه، وبالنارِ في الآخرة، وزيادة على ذلك استبدال غيركم، كما قال تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38] ) ا. هـ.

وقال صلى الله عليه وسلم:"ما ترك قومٌ الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب"والعذاب؛ كما هو ظاهرٌ من النصوص، هو عذابُ الدنيا بالذل والهوان والصغار الذي يُضرب على البلاد والعباد، وهو بعدُ عذابُ الآخرة الذي لا يقارن، به ولا يدانيه عذاب الدنيا و بئس المصير.

فإذا لم يكن لأهل الكفر مع أهل الإيمان غيرُ خيارين اثنينِ لا ثالث لهما: إما الفتنةُ عن الدين، وإما السيف، فإنه كذلك ليس لشرع الله مع المؤمنين غير خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لأمره بقتال الكفر ودفعه بحد السيف، وإما التعرض لعذاب الله وغضبه وسخطه في الدنيا والآخرة، مع استبدالهم بمن يكون أولى منهم وأجدر وأحقُّ بفضل الله، فتعيَّنَ شرعًا وعقلًا وواقعًا كونُ القتالِ قدر الطائفةِ المنصورة.

إن أصحاب الطائفة المنصورة من أكثر الناس مراعاةً لفقه مراتب الأعمال، فهم إذا ثبت في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت