فهرس الكتاب
وإن زعم أن قصده الحق.
الوجه الرابع: الذي يتقرر به تقديم الجهاد عند تعينه على غيره.
أن الواجب المضيَّق يقدم على الواجب الموسَّع، والفوري يقدم على المتراخي، وما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته.
وقد ذكر القراسي رحمه الله وهو يتحدث عن مسألة تعارض الواجبات وما يقدم منها وما يؤخر؛ (أن هذا مبني على معرفة قاعدة في الترجيحات، وضابط ما قدمه الله تعالى على غيره من المطلوبات، وهي أنه إذا تعارضت الحقوق قدم منها المضيق على الموسع؛ لأن التضييق يُشعر بكثرة اهتمام صاحب الشرع بما جعله مضيَّقًا وأن ما جوز له تأخيره وجعله موسَّعًا عليه دون ذلك، و يقدم الفوري على المتراخي؛ لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيرا، ويقدم فرض الأعيان على الكفاية؛ لأن طلب الفعل من جميع المكلفين يقتضي أرجحية على ما طُلِب من البعض فقط، ولأن فرض الكفاية يعتمد عدمَ تكرر المصلحة بتكرر الفعل، والفعلُ الذي تتكرر مصلحتُه في جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره، ولذلك يقدم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته، وإن كان أعلى رتبة منه) ا. هـ.
وبهذه الوجوه الأربعة المتقدمة؛ يتقرر أن الجهاد إذا تعين فهو مقدم عند أهل الطائفة المنصورة على غيره من النوافل، كما أنه مقدم على غيره من الواجبات الكفائية أيًّا كانت بلا أدنى نزاع، بل ومقدمٌ على غيره من الواجبات العينية عند عدم إمكان الجمع بينه وبينها؛ كالصلاة والصيام والحج وغيرِها.
وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقهَ مراتب الأعمال بأنها حقيقة الدين، وحقيقة العمل بما جاءَت به الرسل، وبأنه خاصةُ العلماءِ بهذا الدين فقال رحمه الله: (فتفطن لحقيقة