فهرس الكتاب
وتغاضَوا عن التخويفِ والتهديد في قوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] .
وتهاونوا بالأمر الذي وُكِلَ إليهم في قوله: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} [الزخرف:43] .
وتنكّبوا عن جادّةِ العزِّ في قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة:14 - 15] .
حينها؛ ألبسَهم عدوُّهم رداءَ الذُل، وأشعرَهم شعَارَ الهوان، وسامَهم سوء العذاب، وضامَهم بأليمِ العقاب، وخيّمَ ظلامُ الغفلة على هذه الأمة، وطال ليل رقادِها.
ولكنَّ هذه الأمة؛ أمةٌ عصيّةٌ أبية تأنَفُ الذلَّ وتأبى الضيم، فهي وإن أصاب جسدَها الآلامُ وأثخنتهُ الجراح، إلا أنه لا يلبث أن يستجمعَ قواه، ويستعدّ للنهوض إيذانًا ببزوغ فجرِ الإسلام وطلوعِ شمسِ التوحيد من جديد.
وها نحنُ اليومَ أمام صفحةٍ جديدة من صفحاتِ الصحوةِ في هذه الأمة، بعد أن أدركت حقيقةَ معركتِها و وعتْ مخططاتِ أعدائها بها، ولكنّ هذه الصحوة صاحَبَ مسيرَها الكثيرُ من الدخل، وعكَّرَ صفوَها الكثيرُ مِن الدّغَل، وهذا مصداقُ حديث الصادِقِ المصدُوق -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين من حديثِ حُذيفة قال: (كان النّاسُ يسألونَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وكنتُ أسألُه عنِ الشرِّ مخافةَ أن يدركني؛ فقلتُ يا رسولَ الله إنا كنّا في جاهليةٍ وشر فجاءَنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال"نعم"، قلتُ وهل بعد ذلكَ الشرّ من خير؟ قال"نعم، وفيه دخن"قلتُ وما دخنه؟ قال"قومٌ يهدونَ بغيرِ هديي، تعرفُ منهم وتنكر"، قلتُ فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال"نعم، دعاةٌ على أبوابِ جهنّم، من أجابهم إليها قذفوه فيها"، قلت يا رسول الله صفهم لنا، فقال"هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا") .