فهرس الكتاب
المحور الأول: تحديدُ حقيقةِ مصلحَةِ الدّعوة.
قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:56 - 58] ؛ فهذا نصٌّ من العليمِ الخبير بمنتهى الحصر والقصر على أنّه لم يخلقِ الخلق إلا لتحقيق غاية واحدة وهدفٍ محدد؛ وهو القيام بعبادته وحده، وأنه سبحانه قد فرَّغهم لذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العبادةُ لله هي الغايةُ المحبوبة له، والمرضيَّة له، التي خلق الخلقَ لها، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ، وبها أرسلَ جميع الرّسل كما قال نوح لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59] ، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} [النحل:36] ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] ، وقال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92] ) اهـ.
فعلم مما سبق أن مصلحة الدعوة هي في تحقيق العبودية لله رب العالمين وفق ما جاء به رسله صلوات الله وسلامه عليهم، وبذلك تتحددُ مصلحة الدعوة بصورةٍ قاطِعة بعد مبعثه -صلى الله عليه وسلم- في تحقيق أصلين:
-إفرادِ الله وحده بالعبادة،
-وإفرادِ رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالمُتابعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وجماعُ الدينِ شيئآن أحدهما: ألا نعبدَ إلا اللهَ تعالى، والثاني: أن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع؛ كما قال تعالى لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ