فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 943

الكفر وقادته، لا سيما مع استرضاءِ هؤلاء المستضعفين، وإعلامهم بأن هذا الإجراء إنما هو إجراء مؤقت لمصلحة الدعوة، إلا أن اللهَ سبحانه وتعالى بيَّن أن تلكَ المصلحةَ مُلغاة لا اعتبار لها إذ جاءت من هذا الطريق، كما بين تعالى أن حفظَ دينِ هؤلاءِ النفر المستضعفين هو المصلحة الحقيقية التي يجب الاهتمامُ بها، والتعويلُ عليها.

وبتأمل الوصف الذي علّق عليه المولى سبحانه هذا الحكم، وهو قولُهُ: {يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] ، ندرك أن عبادتَهُ سبحانه على النحو الذي يحبُّه ويرضاه هي مصلحة الدعوة التي يريدها الله سبحانه، والتي من أجلها أنزلَ هذا الدين، وأرسلَ عبادَهُ المرسلين.

وهذه الآيات السابقة نصوص ظاهرة في أن مسألة مصلحةِ الدعوة ليست مسألةَ تنازلات يسارعُ أهل الدعوة لتقديمها للباطل وأهله استرضاء لهم واستجذابًا، وإنما هي مسألة التزام بتبليغ تلك الدعوة على الصفة التي يحبُّها الله ويرضاها، وإن كانت النتيجة إعراضَ ذوي القوة والجاه والسلطان في مقابلِ الحفاظِ على نفرٍ قليلٍ من المستضعفين.

قال سيد -رحمه الله تعالى- عند تفسير لقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج:52] :

(ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحابَ الدعواتِ - بعد الرسل - والرغبَةِ الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها .. تدفعُهم إلى استمالةِ بعضِ الأشخاص أو بعضِ العناصر بالإغضاء في أوّل الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلًا فيها، و مجاراة في بعض أمرهم كي لا ينفروا من الدعوة و يخاصموها.

ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذِ وسائلَ وأساليب لا تستقيمُ مع موازينِ الدعوةِ الدقيقة، ولا مع منهجِ الدعوة المستقيم، وذلك حرصًا على سرعةِ انتصارِ الدعوةِ وانتشارها، واجتهادًا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت