فهرس الكتاب
فهذه النصوص السابقة كلُّها قاطعة الدلالة في أن هذه الشرعَةِ المطهرة لم تأتِ أصلًا إلا لتحقيقِ مصالحِ العباد في الدارين في أجلِّ صورها وأرفعها، كما تدل تلك النصوص على أن المصلحة كل المصلحة هي في اتباع الشرع والتمسك به.
قال العز بن عبدالسلام: (الشريعةُ كلها مصالح، إما تدرأ مفاسدا أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول(يا أيها الذين آمنوا) فتأمل وصيته بعد ندائه فلا تجد إلا خيرًا يحثك عليه أو شرًّا يزجرك عنه أو جمعًا بين الحث والزجر، وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثًّا على اجتناب المفاسد، وما في بعضِ الأحكام من المصالح حثًّا على أتيانِ المصالح) اهـ.
ومن ثمّ كان أهل الطائفة المنصورة لا يتألّونَ على اللهِ سبحانه وتعالى بحجة مصلحة الدعوة، ولا يقولونَ عليه بغير علم، وذلك أنهم يوقنون أن الذي أنزلَ هذه الدعوة وأمر بتبليغها والمحافظة عليها كما أنزلت هو الأعلم بالدعوة ومصلحتها، وأنه سبحانه لم يأمر بما أمر به إلا تحقيقًا لمصلحةِ الدعوة ومصلحة الداعين والمدعوين على السواء، فحيثما كان الشرع كانت المصلحة، وهذا من لوازم اليقين في صحة هذا الشرع وأحقيته، فالشريعة كلها مصالح من رب الأرباب لعباده، فيا خيبة من لم يقبل نصحه في الدنيا والآخرة.
فعن رافعِ بن خديج رضي الله عنه، قال: (كنا نحاقِلُ الأرضَ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءَنا ذاتَ يومٍ رجلٌ من عمومتي فقال نهانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى وأمر ربَّ الأرض أن يزرعها أو يُزرِعَها وكره كراءها وما سوى ذلك)
فتأمل قول الصحابي رضي الله عنه (عن أمر كان لنا نافعا وطواعية الله ورسوله أنفع لنا) ، فالصحابي يصرح بأنهم كانوا يرون ما نهاهم عنه صلى الله عليه وسلم نافعا إلا أنهم رغم ذلك تركوه يقينًا منهم -رضي الله عنهم- أن