فهرس الكتاب
المصلحة هي طاعته -صلى الله عليه وسلم- والامتثال لما جاء به مع القطع بأن أمره -صلى الله عليه وسلم- هو عين المصلحة في الدنيا والآخرة فما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو حق؛ وإن أدى ذلك إلى تعطيلِ وإلغاءِ ما قد تستحسنه العقول وتستصلحه.
قال الشاطبي رحمه الله: (إن كتابَ الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول، ولا أبقيا لغيرِهما مجالًا يُعتد فيه وأن الدين قد كمل والسعادة الكبرى فيما وضع والطرِبَةُ فيما شرع، وما سوى ذلك؛ فضلال وبهتان وإفكٌ وخسران، وأن العاقِدَ عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى، محصلٌ لكلمتي الخير دنيا وأخرى، وما سواهما فأحلام وخيالات وأوهام) اهـ.
أما السعيُ لالتماس المصلحة بمخالفة الكتاب والسنة؛ فهو فعلُ أهل الشكِّ والارتياب الذين ابتلوا بضعفِ اليقين وهم لا يشعرون.
وحالهم مع هذه الشريعة كما يقول ابن القيم رحمه الله: (جعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق) اهـ.
فكأنّ الذي أنزل هذه الشريعة لا يعلم أحوال الناس وما يصلح لهم وما لا يصلح، وأن العبد الظلومَ الجهول قد أدرك المصلحة التي فاتت المولى -سبحانه وتعالى- الذي يعلم السر وأخفى -تعالى الله عما يفتريه الظالمون أهل الجهل والهوى والارتياب- ولذا كان التماس المصلحة بمخالفة الكتاب والسنة مجاوزة من العبد لقدره، وتطاولا لما لا يصلح له مع كونه تعديًا على مقام الألوهية، ومنازعةً سمجةً للرب الجليل -سبحانه وتعالى- إذ الله هو الذي خلق الخلق وهو الأعلم بمصالحهم وما يصلحهم في كل زمان ومكان؛ فهو سبحانه العليم بهم وبما يصلح لهم.
قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] ، وكم من أمر تظنه العقول