فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 943

المصلحة وهو عينُ المفسدة، وكم من أمر تظنه العقول المفسدة ويكون هو عين المصلحة، والنسبةُ بين علم الله سبحانه وتعالى بالمصلحة وعلم العبد بها هي النسبة بين الخالق والمخلوق، والعبدُ عبدٌ مربوب ليس له من الأمر شيء، وواجبُه هو الخضوعُ والطاعة والامتثال، لا الاعتراض والمعارضة مع تيقنه بأن ما شرعَهُ اللهُ له هو عين المصلحة، فقد قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53] ، وقال سبحانه {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص:50] .

قال ابن حزم رحمه الله: (في هذه الآي إبطالُ أن يتبع أحد ما استحسن بغير برهان من نصٍّ أو إجماع، ولا يكونُ أحدٌ أحرص على العباد المؤمنين من الله خالقِهم ورازقِهم وباعثِ الرسل إليهم، والاحتياط كله إتباع ما أمر الله به، والشناعة كلها مخالفته) اهـ.

وقال تعالى: {قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} [البقرة:140] ، وقال كذلك: {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] فهيهات للمصلحَة أن تكون في خلاف النص، بل خلافُ النص هو عينُ المفسدة، وإنما المصلحة ما قرره النص من فعلٍ أو ترك.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كذلك: (والعملُ إذا اشتملَ على مصلحةٍ ومفسدة فإن الشارع حكيم؛ فإذا غلبت مصلحتُه على مفسدتِه شَرعَه، وإن غلبت مفسدتُه على مصلحتِه لم يشرعه؛ بل نهى عنه، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] ... )

إلى أن قال: (وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربًا إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله فإنه لا بد أن يكون ضررُه أعظمَ من نفعه، وإلا فلو كان نفعُه أعظم غالبًا على ضرره لم يهمله الشارع؛ فإنه تعالى حكيمٌ لا يهمل مصالح الدين، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت