فهرس الكتاب
ولذا فإن مجرّد تصوُّر هذا القول بتقديم المصلحة على النص كافٍ في إبطاله، إذ يفتحُ بابَ المروقِ من الدين والانسلاخ من أحكام الشرع على مصراعيه، هذا فضلًا عن فتح باب الإحداث والابتداع والتحكم بالشرع بنحاسة الآراء وزبالة الأفكار والأهواء؛ إذ لا يعجزُ كلُّ مبطلٍ عن القول بأنه ينشد المصلحة من باطله الذي جاء به وأحدثه، وقدمه على النص، وقد قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة:11 - 12] .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب رحمهم الله جميعًا: (في الآية دليل على وجوب اطراح الرأي مع السنة، وإن ادعى صاحبه أنه مصلح، وأن دعوى الإصلاح ليس بعذر في ترك ما أنزل الله) اهـ.
وتأمّل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء:60 - 62] ، فإرادتُهُم الإحسان والتوفيق لم تُغنِ عنهم فيما وقعوا فيه من الكفر؛ بل كانت هي من أسبابِ ذلك.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزلَ اللهُ وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك، ولم يستجيبوا للداعي ورضوا بحكم غيره، ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال تعالى {فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة:49] -اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق، إي بفعل ما يُرضِي الفريقين ويوفق بينهما كما يفعله من يروم التوفيقَ بين ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين ما خالفه، ويزعم بذلك أنه محسن قاصد الإصلاح والتوفيق، والإيمان إنما يقتضي إلقاءَ الحرب