فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 943

جاء في سبب نزول هذه الآيات أنهم لما أسروا الأسارى يوم بدر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (ما ترون في هؤلاء الأسارى) ؟ فقال أبو بكر: يا نبيَّ الله، هم بنو العمِّ والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب) ؟ قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (نسيب لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، قال عمر رضي الله عنه: فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) ... وأنزل الله عز وجل {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال:67] .

فدلت هذه الآياتُ وما ثبتَ في سببِ نُزولها على أن تقدير المصلحة إنما مرده لما يشرعه الله ويرتضيه لخلقه، خلافًا لما قد تستحسنه العقول وإن كانت هذه العقول هي عقول كبارِ رجالات هذا الدين علمًا وعملًا، فكيف بمن دونهم ممن لا نسبة بينه وبينهم علمًا أو عملًا.

ولا بدّ هنا من الإشارَةِ إلى مسلكٍ يتخذ منه الكثيرون تكأة لتبرير وتمرير ما يهوون، وهو مسلكُ الاستدلال بالقواعد العامة؛ والجوابُ عليه: أن الذي قرره أهلُ العلم أن إعمال القواعدِ العامة مقيدٌ بالإجماع بعدم مخالفة النصوص، فالاجتهاد وفقًا لتلك القواعد اجتهادٌ باطل بيقين متى خالف ما دل عليه النص، بل هو على التحقيق اجتهاد لم يصادف محلًا فلا محل له، ولذا قرر أهل العلم في قواعدهم المتفق عليها أنه لا مساغ للاجتهاد في مورد النص.

ومن صُوَرِ الخلط في قاعدةِ الموازنة والترجيح بين المصلحة والمفسدة وفقًا لمعيارِ الشّرع؛ أنّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت