فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 943

الكثيرين ربما لاموا غيرهم على فعل الأحسن والأكمل، وحمدوه على فعل الأقل؛ لضعف نظرهم أو لإيثارهم ما يظنونه السلامة والورع لضعف فقههم، وإلا فالورعُ ليس في ترك المشتَبِهِ بالمحرم أو المكروه فقط؛ بل من الورع فعلُ المشتَبِه بالمستحب أو بالواجب أيضًا، ومن ذلك ما فعله غلامُ أصحابِ الأخدود حيثُ بذل الغلام نفسَه مؤثرًا القتلَ على الحياة؛ لإظهار الدينِ ونشرِ الدعوة فكان اختياره رضي الله عنه للقتل وحرصه عليه هو عينُ مصلحَةِ الدعوة.

المحور الثالث: المصلحة كمصدرٍ من مصادر الأحكام الشرعية.

اتفق أهلُ العلمِ قاطبةً على أنَّ المصلحة ليست مصدرًا أو دليلًا من أدلة الأحكام الشرعية -وأن تعليل الأحكام بمجرد المصلحة ضلالٌ مبين وقولٌ على الله بغير علم، واتباع للهوى، قد يفضي بصاحبه للكفر.

قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] .

وقال أيضًا: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام:38] .

وقالَ جلَّ وعلا: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} [الأعراف:3] .

إلا أنّ هناك دائرة ضيقة جدًّا اختلف أهلُ العلم في جوازِ تعميل الأحكام بالمصلحة فيها، وهي دائرة بالأوصاف التي لم يشهد لها الشرع بالاعتبار أو الإلغاء، وهي ما اصطلح عليه بالمصالح المرسلة أو الاستصلاح.

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (لا يجوز إثبات الأحكامِ بمجرَّد الاستحسان والاستصلاح، فإن ذلك شرعٌ للدين بالرأي وذلك حرام لقوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى:21] ) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت