فهرس الكتاب
دفع ضر؛ ما جاء في قصة إسلام ثقيف، وقد كانوا سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يدع لهم الطاغية -وهي اللات- لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرًا واحدًا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمَّى، وإنما يريدون بذلك فيما يُظهرون أن يّسْلَموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام؛ فأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها.
فلم يعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك المصالح التي أشار بها وفد ثقيف ليترك لهم بها طاغيتهم اللات من خوفهم من سفهاء قومهم وإرادتهم تأليف قومهم وعدم ترويعهم حتى يدخلوا الإسلام، هذا بالإضافة لكونهم حدثاء عهد بإسلام فيحتاجون إلى التأليف حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم فلا يرتدوا.
ولم يستثن الله تعالى من ذلك غير حالة الإكراه الملجئ؛ فهي الحالة الوحيدة التي رخَّص فيها الشارع في إظهار الشرك والكفر عند تحقق شروطها، وحتى في حالة الإكراه الملجئ فإن الإجماعَ منعقدٌ بغير تردد على أن الأخذ بالعزيمة هنا أفضل وأحب إلى الله، وكل هذا تعظيمًا لهذا الأمر، وتنويهًا بخصوصيته.
قال ابن بطال رحمه الله: (وكلهم أجمعوا على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة) اهـ.
ونختم الكلامَ في بيان أن تحقيق التوحيد نفيًا وإثباتًا أعظمُ المصالحِ بإطلاق، وأن دعوى تحقيق مصلحة الدعوة بالاستهانة بأمر التوحيد والتلبس بضده من الشرك هو عينُ الفسادِ في الأرض، بل هو أساس كل شر وفساد؛ بكلامٍ نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] .