فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 943

بشوب من الحق) و بهذا الترتيب العجيب و التمازج الشديد، أضحى الأمر كما قال القائل:

و لتشهدن بكل أرض فتنة *** فيها يباع الدين بيع سماحِ

يُفتى على ذهب المعز و سيفه *** و هوى النفوس و حقدها المذحاحِ

و هكذا يضغط الواقع على الكثيرين ممن يسعون للقيام بأمر الله، حيث يشعر هؤلاء أن كل من حولهم يخالفهم في ما هم عليه، بل و ينابذهم على ذلك بكل ما يستطيع، فهم يسيرون في طريق موحشة، لا معين فيها و لا أنيس، و الجميع حولهم يدعوهم ليسالموا أو يداهنوا أو يقفوا موقفًا و سطًا و يلتقوا مع الجاهلية في منتصف الطريق، بدعاوى و شعارات معلومة مشهورة.

و تزداد الفتنة و تعظم البلية، عند صبغ هذه الدعاوى بصبغةٍ شرعية، و تخريجها تخريجًا فقهيًا، يعتمد الوسطية و ينبذ و يحارب التشدد، فتنهال الاتهامات من مختلف المستويات على من يريد القيام بأمر الله متهمين إياه بالتطرف و الغلو بل بالإرهاب فضلًا عن الخارجية، ليجد العبد نفسه محاصرًا بدائرة محكمة من الاتهامات و الإدانات، و التي لا ينقصها التدليل الشرعي، تصمُّ مسامعه صيحاتها، من كل حدب و صوب مناديةً عليه ببطلان ما هو عليه، و مروقه عن الطريق القويم، و حيدته عن الصراط المستقيم، و بعده عن الدين، و مخالفته للعالمين أجمعين، و الهدف هو الضغط على العبد ليتجنب الانتساب للحق في خاصة نفسه، فضلا عن دعوة الآخرين إليه، و من ثم التنازل و التراجع و النكول و النكوص عن أمر الله، و مسايرة الواقع القائم.

و قد جاء عن الإمام الفضيل بن عياض - رحمه الله - أنه قال: (كيف بك إذا بقيت إلى زمان شاهدت فيه أناسًا لا يفرقون بين الحق و الباطل و لا بين المؤمن و الكافر و لا بين الأمين و الخائن و لا بين الجاهل و العالم و لا يعرفون معروفًا و لا ينكرون منكرًا) انتهى كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت