فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 943

قال الإمام ابن بطة - معلقًا على قول الفضيل: (فإنا لله و إنا إليه راجعون، فإنا قد بلغنا ذلك و سمعناه و علمنا أكثره و شاهدناه، و لو أن رجلًا ممن وهب الله له عقلًا صحيحًا، و بصرًا نافذًا، فأمعن نظره و ردد فكره، وتأمل أمر الإسلام و أهله، و سلك بأهله الطريق الأقصد و السبيل الأرشد، لتبين له أن الأكثر و الأعم و الأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم، و ارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن المحجة و انقلبوا عن صحيح الحجة، و لقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، و يستحلون ما كانوا يحرّمون، و يعرفون ما كانوا يُنكرون) . انتهى كلامه.

و الجملة الأخيرة من كلام ابن بطة، هي إشارة جليّة إلى فتنة ضغط الواقع، حيث ينضغط الكثيرون بضغط الواقع و من خلال طوق الجاهلية المحكم و الذي يحيط بالعبد من كل مكان إحاطة السوار بالمعصم، فيسعون و قد انكسرت قلوبهم و هُزمت نفوسهم و ناحت كواهلهم، تحت مطارق هذا الضغط العنيف لنفي تلك الاتهامات عن أنفسهم، بل و التبرؤ منها و من أصحابها و إظهار أنهم أصحاب منهج مغاير، يقوم على الاعتدال و الواقعية و الوسطية و ينبذ التشدد و المثالية الخيالية، و يلتقي مع الواقع القائم، فلا يحاربه أو يسعى إلى استبداله و إنما هو الإصلاح الرقيق و التغيير السلمي الذي ينطلق من هذا الواقع و يسايره، و يرجع إليه لا غير، و هم في سبيل ذلك يتكيفون في كل قالب، و يتطاوعون لكل ضاغط.

و لهذا المنهج الانهزامي التلفيقي سلسلة أليمة من المفردات و المظاهر المتعددات و التي يجمعها كلها كونها إفرازات ضغط الواقع الجاهلي، فمحاولة الالتقاء و الانسجام مع هذا الواقع و مسايرته و عدم الظهور بمظهر الخارج عليه هو مصدر هذه السلسلة من المفردات و مرجعيتها، و إن كان ذلك على حساب تطويع المُحَكَّمات و القطعيات الثابتة بالكتاب و السنة و الإجماع لهذا الواقع بل و التجاسر على إدعاء النسخ فيها.

و من ذلك ما قرره بعضهم في تجاسر و جرأة على دين الله، يحار فيها العقل السليم، من أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت