أحكام أهل الذمة قد نُسخت كليًا و جزئيًا، بما يعرف اليوم بأحكام المواطنة، و مهما قيل حول هذه السلسلة الأليمة من المفردات و المظاهر تبريرًا أو تفسيرًا، فليس لأصحابها من موقع في صفوف الطائفة المنصورة أبدًا.
و من أخطر نتائج الوقوع في هذه الفتنة، هو استمراء المنكر و اعتياده، حتى قد يزول إنكاره بالكلية من القلب نتيجة هذه المسايرة المنهجية للواقع و التي تؤدي إلى استمراء المنكر و الرضا به، بل قد يستقر في القلب استحسانه و الإنكار على من أنكره، إذ كل ما انضغط العبد و تراجع للوراء خطوة بفعل ضغط الواقع، ازداد استعداده للانضغاط و التراجع خطوات، و ما يزال به هذا النهج، حتى يصبح الانضغاط للواقع و التراجع و التنازل له خلقًا و دينا للعبد، و تضعف لديه إرادة الثبات بصورة مستمرة حتى تتلاشى تمامًا، و تصير لديه القابلية التامة للتنازل و التراجع عن كل شيء و أي شيء بسهولة و يسر.
قال سيد - رحمه الله: (الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، و صاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزءٍ منها و لو يسيرًا، لا يملك أن يقف عند ما سلّم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء) . انتهى كلامه [في ظلال القرآن / الإسراء / آية 73 - 75] .
و قد تتعاظم فتنة ضغط الواقع، و تستفحل في نفوس البعض، حتى تكون سببًا في الوقوع في الكفر و الشرك الصراح، و قد أعلمنا الله سبحانه و تعالى أن هذه الفتنة كانت السبب الرئيس في وقوع الكثيرين في الكفر و الشرك، رغم ما قام لديهم من العلم بل و اليقين في صحة و صدق ما جاء به الأنبياء و الرسل.
قال تعالى حكاية عن قوم نوح - عليه السلام - أنهم قالوا ردّا عليه: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون:24] .