وحكى الله تعالى عن قول هود قولهم له: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} [الأعراف:70] .
و قال تعالى عن قوم صالح: {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} [هود:62] .
فنظائر هذه الآيات في القرآن كثيرة معلومة وكلها مصرحة أن العبد قد يخرج من الحق إلى الباطل خضوعًا لضغط الواقع و مسايرة للناس و لما هم عليه، حيث للجموع و الحشود الغفيرة و العادة المتأصلة و الإرث المتداول المحفوظ سطوة قوية و هيبة في نفوس الكثيرين؛ تدفعهم لمخالفة الحق و موافقة الباطل و الإذعان له.
و كأن حذيفة صاحب السر و خبير الفتن -رضي الله عنه- كان يشير إلى فتنة ضغط الواقع تلك، حين قال: (أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يُؤثروا ما يرون على ما يعلمون، و أن يضلوا و هم لا يشعرون) .
أما أهل الطائفة المنصورة فهم يدفعون ضغط الواقع و لا ينضغطون له أو به، إذ عملهم هو في الأساس و المقام الأول: إخضاع الواقع لأمر الله و أطره عليه أطرًا و هم يقومون بذلك بفضل الله أولًا ثم بيقينهم و صبرهم ثانيًا، إذ فتنة ضغط الواقع هي فتنة الغربة بجوانبها المتعددة و مظاهرها المختلفة التي يعيشها أهل الطائفة المنصورة في سعيهم نحو إقامة أمر الله.
و قد كان الحسن -رحمه الله- يقول: (صدق الله و رسوله، باليقين طلبت الجنة، و باليقين هُرب من النار، و باليقين أُدّيَت الفرائض، و باليقين صبر على الحق، و في معافاة الله خير كثير، قد و الله رأيناهم يتقربون في العافية فإذا نزل البلاء تفارقوا) انتهى كلامه [الزهد لابن المبارك بنحوه] .