فأهل الطائفة المنصورة يصبرون على غربة الطريق و لا يوحشهم قلة السالكين، و لهم في ذلك الأسوة التامة بخير خلق الله و صفوتهم من الأنبياء و الرسل -عليهم السلام-.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه و سلم يومًا فقال: (عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، و النبي معه الرجلان، و النبي معه الرهط، و النبي ليس معه أحد) [متفق عليه، البخاري 5420] .
فقلة السائرين و غربة الطريق وتفرد السير من نهج الأنبياء و المرسلين في القيام بأمر الله، و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (بدأ الإسلام غريبًا و سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء) [صحيح مسلم 145] .
فنص النبي صلى الله عليه و سلم على أن الغربة هي أصل هذا الأمر، و أساسه و إليه يرجع.
و قال الطرطوشي - رحمه الله: (و معنى هذا الحديث: أنه لمّا جاء الله بالإسلام، فكان الرجل إذا أسلم في قبيلته و حيّه غريبًا فيهم، مستخفيًا بإسلامه، قد جفاه الأهل و العشيرة، فهو بينهم ذليل حقير خائف، يتغصص بجرع الجفاء و الأذى، ثم يعود غريبًا لكثرة الأهواء المضلة و المذاهب المختلفة، حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس، لقلتهم و خوفهم على أنفسهم) انتهى كلامه.
و قال القرطبي - رحمه الله: (إن قرنه صلى الله عليه و سلم إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم، لكثرة الكفار و صبرهم على أذاهم و تمسكهم بدينهم، و إن أواخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين و تمسّكوا به و صبروا على طاعة ربهم، في حين ظهور الشر و الفسق و الهرَج و المعاصي و الكبائر، كانوا عند ذلك أيضًا غرباء و زكت أعمالهم في ذلك الوقت، كما زكت أعمال أوائلهم، و مما يشهد لهذا قوله -عليه الصلاة و السلام-:(بدأ الإسلام غريبًا و سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء ) ) انتهى كلامه [تفسير القرطبي] .